الصِّفات الإلهيَّة ونزاهة رب البريَّة

بسملة

قال شمس الزمان الشيخ الدكتور طارق بن محمد السعدي أدام الله علينا وعلى الأمة فضله وإحسانه:

المعاني الكَونيَة المعروفة في خِطاب الآدَميّين، قائمة على الإدراك وقَرَائن الإضافة للمَعنِيِّين، وهي مُستحِيلة ومُنكَرةٌ على رب العالمين.

يلزم الناظر في خطاب الإلهية: التمييز بين سعة اللفظ للمعاني اللغوية وضيقه على مَعان حصرية، وبين دلالة المعاني المقررة الكونية والقُدسيَّة.

التّوْحِيْدُ الخَالِصُ: إِثْبَاتُ اللهِ تَعَالَى إِلهًا، مُنَزَّهًا عَنِ المِثْلِ وَالشِّرْكِ وَالعِلَّةِ وَالكَفَاءَةِ.

الوَصْفُ الَّذِي لَا يَلِيْقُ بِاللَّهِ تَعَالَى وِفْقَ مَا تَقَرَّرَ فِي شَرِيْعَتِهِ، يُحْمَلُ مَعْنَى الخِطَابِ بِهِ عَلَى غَايَتِهِ. وفي الصحيح:” إن اللَّه تعالى يَقول .. يا ابن آدم، مَرِضْتُ فلَم تَعُدنِي .. أما علمت أن عَبْدي فلانا مرض فلم تَعُدْهُ؟ .. “الحديث.

العِلْمَ بِأَنَّ العَالَمَ حَادِثٌ: عِلْمٌ بِأَنَّ مَا كَانَ مِثْلَهُ فَهُوَ حَادِثٌ، يَلْزَمُ مِنْ وُجُوْدِه وُجُوْدُ صَانِعٍ لَهَ. فَوَجَبَ مخَالَفَةُ الصَّانِعِ لَهُ وُجُوْداً؛ وَتَقَرَّرَ: أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ العَالَمِيَّةِ مُسْتَحِيْلَةٌ عَلَى الإِلهيَّةِ.

العَالَم فَرْدًا أَو نَوْعًا: حَادِثٌ ( كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً ) بِقُدْرَةِ اللهِ تَعَالى وَاخْتِيَارِهِ. ولا يُقَابِلُ ذَلك إلا أنْ يَكُوْنَ مُوْجَبًا بِذَاتِهِ! وهُو مُحَالٌ؛ لاسْتِلْزَامِهِ التَّسَلْسُلَ أَوْ الدَّوْرَ عَلَى المُؤَثِّرِيْنَ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: { إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ }[الصافات:4]. الإِلَهُ: هُوَ المُؤَثِّرُ فِي المُحْدَثَاتِ إِيجَاداً وَإِعْدَاماً، وَلا يُؤَثِّرُ فِيْهِ شَيءٌ؛ وَإِلا كَانَ مُحْدَثاً، وذَلِكَ مُحَالٌ. وَهُوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالى: ﴿ وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ؛ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ﴾. واللهُ تَعَالى إلَهٌ ” وَاحِدٌ ” عَلَى التَّحْقِيْقِ، لا مِنْ حَيْثُ العَدَدِ وَالتَّقْدِيْرِ. الوَاحِدُ مِنْ حَيْثُ العَدَدِ يَسْتَلْزِم التَعَدُّد، وَذَلِكَ فِي الإلَهِيَّةِ مُحَالٌ. الوَاحِدُ مِنْ حَيْثُ التَّقْدِيْرِ: يَسْتَلْزِم الحُدُوْثَ؛ لِوُجُوْبِ المُخَصِّصِ، وَذَلِكَ فِي الإلَهِيَّةِ محَالٌ.

القَوْلُ بِتَسَلْسُل الأحْدَاث أَزَلاُ: سَفْسَطَةُ مُخَرِّصِيْن، وَحَشْوُه في الخِطَابِ الشَّرْعِيّ: قَرْمَطَةُ زَائِغِيْن. إنَّ اللهَ تَعَالَى { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالْظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }[الحديد:3].

نَفْيُ الدَّلالَةِ الكَوْنِيَّةِ في فَهْم خِطَاب الصِّفَات القُدْسِيَّة: سُنَّةُ وَتَقْرِيْرُ المُخَاطِبِ، واعْتُمِدَت في الأَشْعَرِيَّةِ. إثْبَاتُ الدلالة الكَونِيَّة في فَهْم خِطاب الصِّفات القُدسِيّة: مُنْكر في السُّنّة الشَّرْعيّة، واعْتُمِدَت عند الزائغين سيّما الحَشوِية.

حَقِيقة الصِّفَات: كُنْهُهَا الوُجُودِي، والوُجُود الثَّابِت ضَرْبان: إلَه، وكائِنات! مُناسَبة حَقِيقة أحَدهِما لِلآخَر من المُستَحِيْلات. فمَن أثبَت للإلَهِ حَقائقَ صِفَات الكائنات (سَواء بجَوْهَرِها أو بمَظْهَرِها في البَرِيَّات): فقد اسْتَنْسَب غَيرَ مُناسِب في الإلهِيَّات.

سَبِيْلُ أَهْل السُّنَّة فِي الصِّفَاتِ القُدْسِيَّةِ: تَنْزِيْهُهَا عَنِ الحَقَائِقِ الكَوْنِيَّةِ. واختَلَفوا في فَهم الإضَافَات الخَبَرِيَّةِ : فَذَهَب البَعضُ لإثبَاتِهَا صِفات تَتَعَلَّق بِمَا نَزَلَ به الخِطابُ مِنْ أمْرِ البَرِيَّة. وَذَهَبَ الآخَرُوْن لإثْبَاتِ مَآلِهَا إِلَى الصِّفَاتِ وِفْقَ القَرَائِنِ المَرْعِيَّة. لكِن بَعْضَ المُثْبِتِيْنَ لِلمَآلِ فَوَّضُوا (فَوَقَفُوا عَلَى إِقْرَارِهِ دُوْنَ إعْمَالِهِ) لِمَا ظَنُّوْه اتِّقَاءً لِلمَسْؤُولِيَّة! قَامَ الجُمْهُوْرُ (أَهلُ الحَقِّ) عَلَى التَّأوِيْلِ بِنَاءً عَلَى الأُصُوْلِ العِلْمِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَالمُثْبِتُ مُخْطِئٌ مَأْجُوْر، وَالمُفَوِّضُ لَهُ نِصْفُ الأُجُوْر، وَالمُؤَوِّلُ حَظِيَ بالأَجْرِ وَالنُّوْر.

إثْبَاتُ ما ثَبَت في الخِطَاب عَلى وَجهَين: أحَدُهما: إثبَات نُصُوْصِهِ الخِطابيَّةِ، وثانِيهمَا: إثبَات دَلالَتِهِ الشَّرعِيَّة. وَقَد يَقَع الاتْفَاقُ أو الاختِلافُ بَينَ الوَجْهَيْن؛ بِنَاءً عَلى القَرَائِنِ المَرْعِيَّة. وَإثبَاتُ الدَّلالَةِ: تَأوِيْلٌ صَائِبٌ أو خَاطِئٌ؛ نِسْبَةً لِلشَّوَاهِدِ البَيَانِيَّة. فَفِي شَأن “الصِّفَات الخَبَرِيَّة”: لا يَصِحّ ادِّعاءُ أنَّ إثبات “ما أثْبَتَهُ اللهُ تعالى لِنَفْسِه” مُجَرَّدٌ عن الوُجُوه التأويليَّة. فَالحُكم: دَلالةٌ إسْنَادِيَّة، فَيَتَجَاوَز حُدُودَ إثبَات الألفَاظ النَّصِّيَّةِ. والزَّائغ: يُثْبِت حُكمَها مُساوِيا للبَرِيَّة، بَيْنَما المُهْتَدي: يُثْبِته مُنَزَّها عَنها؛ لأنَّه مُتَعَلِّق بالإلهِيَّة القُدْسِيَّة.

عِبَارَةُ أنَّ الله تَعَالى في السَّماء: عُرْفٌ، مَعْنَاه: { رَبُّ السَّمَاواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ }[المؤمنون:86]. مِنه: { قالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِين }؟ { قال: رَبُّ السَّمَاوات وَالأرض ومَا بَيْنَهُما إن كُنتُم مُّوقِنِين }[الشعراء:23-24]. ومن ثم: قال الله تعالى: { وهُو الذي في السماء إلَهٌ وفي الأرض إله .. * وتبارك الذي له مُلْكُ السماوات والأرض وما بينهما .. }[الزخرف:84-85]. ولمَّا عَرَّف الكَلِيمُ رَبَّه بذلك وسُئل عن مَاهية الإلهية، قال: { رَبُّنا الذي أعْطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَه ثُمّ هَدَى } به العقول الكونية.فالله تعالى { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } الخَلقيَّة { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } بصفاته القُدْسِيَّة [الأنعام:103]. والأيْنِيَّة والعُلْوِيَّة .. الخ الإضَافات: لَيسَ دَلِيْلا عَلى إثْبَات الجِهَة أوْ غَيْرهَا مِن صِفَات الكَائِنَات.وهَذا التَّقْريرُ مُحْكَمٌ في الشَّريعَة الإسلاميّة؛ يَقتَضِيه ما ثبَت في العِلْم عقلا ونَقلا مِن نَزاهَة اللهِ تعالى عن صِفات البَرِيَّة.فعَلَى فَرَض إقْرَار رِوَايَة مُسْلِم فِي الجَارِيَة وما في مَعناها مِن الكَلِمات، يَجِبُ حْمَلُها علَى هذا الوَجْهِ ونحوِه من البَيِّنات.

دَواعِي أهْل الحَق للتأوِيل: الظَّفْر بما قام فيه مِن عِلْم بالتنْزِيل، ودَفْع شُبَه الزائغِين (كالحشوية) المُفترِين على صفات الله الجليل.{ولو رَدُّوه إلى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر منهم لَعلِمه الذِين يَستنبِطونه منهم، ولولا فَضْل اللّه عليكم ورحمته لاتَّبعتم الشيطان إلا قليلا}.

أَصْل بَاب “الإيْمَان بِصِفاتِ الله تَعالى القُدْسِيَّة”: مَعْرِفَةُ الله تَعَالى بِمَا بَيَّنَهُ عَنْ نَفْسِه فِي خِطَابِهِ لِلْبَرِيَّة.وذلك يَتَطلَّب: مَعْرِفةَ أحْكام الصِّفات الثُّبُوْتِيَّة، ومَبانِيْها العِلْمِيَّة، ودَلالاتها الشَّرْعِيَّة، وأَحكَامها التَّكلِيْفيَّة.فتقرر على مذهب السادة الأشعرية: وجوب الإيمان بوجوب عشرين صفة إلهية (صفة نَفْسيَّة، وخمس صفات سلبية، وسبع صفات مَعان، وسبع صفات مَعْنَوية). وذلك على سبيل ما نُصِب لنا دليلا على الإلهية، لا حصرا لما يَجِب من الصفات القُدْسِيَّة، ولا إنكارا لما ورد في الخطاب من الصفات العَلِيَّة.

لا تَعَارُض بَيْنَ المُخَالَفَة (المُقَرَّرِة عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الأشْعَرِيَّة) والإثْبَات فِيْ بَيَانِ الصِّفَات الإلهِيَّة.فالمَقْصُوْدُ مِن ” مُخَالَفَةِ الحَوَادِثِ “: مُخَالَفَةُ المَاهِيَّة، فَلا تَأْثِيْرَ لِلْمُمَاثَلَةِ اللفْظِيَّة.والأَلفَاظ المُثْبَتَة في بَيَان صِفَات اللهِ تَعالى مُنْزَلَة بِلُغَةِ العِبَاد (كالعَرَبيَّة)، لِلدَّلالة على الصِّفَات القُدْسِيَّة.فَالمُرَادُ بأَلفَاظِ الصِّفَاتِ السَّمْعِيَّة: دَلالاتُهَا المَعْنَوِيَّة، مُجَرَّدَةً عَنِ المَاهِيَّة.فالألفَاظ (كَاليَد والنُّزُوْل) المَوْضُوْعُة للماهِيَّة: إنما يُراد بِها مَعْنى مِمَّا اصْطُلِحَ عَليه (مَجَاز) في الحُدُوْد اللغَوِيَّة.وَالحُجَّةُ عَلى الدَّلالَةِ المَجَازِيَّة: التَّأوِيْلات السَّمْعِيَّة، والمُحْكَمَات الشَّرْعِيَّة، والمُقَرّرَات العِلْمِيَّة.

إنما يَصِح إثباتُ ما أَثبَته الله تعالى لنفْسه العَلِيَّة: بإثباتِ الألفاظ السمْعية مُجَردة عن المعاني اللغوية؛ إيمانا بنُصوصها الخِطابية.وإثْبَاتِ مَعَانِيْهَا وِفْقَ مَا تَهْدِي إليْهِ القَرائنُ المُحْتَفَّةُ بِها بِنَاءً عَلَى الحُدْوْدِ المُقَرَّرَة في عِلْمِ الإِلهِيَّة.

الوَجْهُ الآخَرُ للصِّفَاتِ المُقَرَّرَةِ فِي الأشْعَرِيَّة: أنَّها مُصْطلَحاتٌ قائمةٌ على نَوْعَيْن مِنَ المَبَاني العِلْمِيَّةٌ.مَبَانٍ أَصْلِيَّة: تُصَنِّفُ أَنْوَاعَ الصِّفَاتِ الإجْمَالِيَّة، كَكَوْنِهَا صِفَاتٍ نِفْسِيَّةً، وَسَلْبِيَّةً .. الخ.مَبَانٍ فَرْعِيَّة: تُصَنِّفُ أَنْوَاعَ الصِّفَاتِ التَّفْصِيْلِيَّة، كَكَوْن القُدْرَةِ دَلِيْلَ الصِّفَاتِ الفِعْلِيَّة.. الخ. وَقَدْ رُوْعِي في الاصْطِلاحِ “الأَلْفَاظ السَّمْعِيَّة”؛ لِاعْتِبَارِ أنَّ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى تَوْقِيْفِيَّة.مِثَالُ ذَلِكَ فِي المُقَرَّرَاتِ الإسْلامِيَّة: الشَّهَادَةُ بِالإِلَهِيَّة؛ فَإِنَّهَا مَبْنَى مَسَائِلِهَا الإيْمَانِيَّة.وَعَلَيْهِ: تَكُوْنُ الصِّفَاتُ المُقَرَّرَة فِي الأَشْعَرِيَّة: هِي المَبَانِي العِلْمِيَّة في تَقْرِيْرِ الصِّفَات السَّمْعِيَّة.

مَنْشَأ مَبَانِي “الصِّفَات الإلَهِيَّة” النَفْسِيَّة، وَالسَّلْبِيَّة، وَالمَعَانِي، وَالمَعْنَوِيَّة: الأَحْكَامُ العِلْمِيَّة. فإنّ “تَحَقُّق الإلَهَ”، يُوجِب له: بالنَّظَر لِلْذَّات مُجَرَّدًا عن الأَحْكَامِ الزَّائِدَة “صِفات نفْسِيّة”، وتَقَرَّر فِيها: “الوجود”. وبالنظر للأَحْكَام الزائِدة على الذات “صِفات المَعانِي”، وتَقَرَّرَ فيها: القُدرة، والإرادة، والعِلم، والحياة، والسَّمع، والبَصر، والكلام. وبالنظر لِلقِيَام على الأحكام الزائدة “صفات مَعنَوية”، وتَقَرَّر فيها: كَونه عَزّ وجَل قادرا، مُرِيدا، عالِما، حَيا، سميعا، بصيرا، متكلما. وبالنظر لِنَزاهَتِه عَمَّا لا يَلِيْق به “صفات سَلْبِيَّة”، وتَقَرَّر فيها: القِدَم، والبقاء، والُمخالفة، والقِيام بالنفس، والوِحْدانِيّة. فَيَنْدَرِجُ فِي هَذِهِ المَبَانِي العِلْمِيَّةِ كَافَّةُ الصِّفَاتِ الوَاجِبَةِ لِرَبِّ البَرِيَّة.

مِن تَخْرِيْص المُتَطَفِّلِين على عُلُوم الإلهِيَّة: اعتِقادُ أنّ اختِلاف “المُضاف إلَيه” يَنْفي التّساوي في أحكام المُضافات المَعْنِيَّة! فيَعتَقِد عالِمُهم: أنّ الصفات الكَوْنية (كالحُدُود والغايات والأَرْكان والأَعْضاء والأَدَوات والجِهات) مُحْدَثة بِاعتبار إضافتها للبرِية! والْحَقُّ: أَنَّ “اخْتِلاف النَّوْع” يَنْفِي المُسَاوَاة في المَظَاهِر المَرْئِيَّة، بَيْنَما يُثْبِتُهَا فِي “أَحْكَامِ الْمَاهِيَّة”. وَأَنَّ أَحْكَامَ الحُدُوْثِ فِي “الصِّفَاتِ الْكَوْنِيَّة” ثَابِتَةٌ بِاعْتِبَارِ مَاهِيَّتِهَا قَبْلَ مَظَاهِرِهَا الإضَافِيَّة. فمَن أَثْبَت لله تعالى “صِفَة كَوْنِيَّة” فَقَد شَبَّهَه بالبَرِيَّة، ولا يُنْجِيه جهلُه بالحق ولا تقليدُه لمَشايخ التطفّل على الإلَهِيّة. فَيَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم ﴾ مَشَايِخُ التَّطَفُّل ﴿ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لاَ تَعْلَمُون ﴾[البقرة:169]. فَاتَّقُوا اللَّهَ ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ﴾[الأنفال:21]. ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّذِين تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْد ما جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ؛ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم ﴾[آل عمران:105].

تَأْوِيْلُ أَلْفَاظِ الخِطَابِ بِالصِّفَاتِ القُدْسِيَّةِ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ مُبِيْن. وإنَّما تُؤَوَّل بِما يُتَوَصَّل إلَيْه مِن المَعاني الصَّحِيْحَة المُوافِقَة للسِّياق والتَّقْرِيْر الشَّرْعِيّ المَشْهُود لِلعَالِمِيْن. وَإِنَّ مَآلَ مَعَانِي الْمَاهِيَّاتِ الْكَوْنِيَّة مُمْتَنِعٌ ( عَلَى سَبِيْلِ الْنَّهْيِ وَالاسْتِحَالَةِ ) فِيْ الْدِّيْنِ. فَمَآلُ نَحْوِ ” الاسْتِوَاءِ عَلَى العَرْشِ ” في سِيَاق إتْمَام الخَلْق: إلى إِمْضَاءِ الأَحْكَام وجَرَيَان أَقْدَارِ العَالَمِيْن. وذلك ظاهِرٌ في الآية المَخْتُومة بقول الله تعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُم بِلِقاء رَبِّكُم تُوقِنُون ﴾[الرعد:2]. وَمِنْ ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ؛ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ، وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون ﴾[النحل:74].

تَوْحِيد المِلَّة الإسلامية: هو الإيمان أنَّ الإلَهَ (واجِبُ الوُجُوْد، المُؤَثِّر لِذَاتِه في العَالَم) هُو: اللهُ، الواحِدُ بالإلهِيَّة. فَوَاجِبُ الوُجُوْدِ: سَرْمَدِيُّ الْذَّاتِ وَالصِّفَاتِ القُدْسِيَّة، وَالمُؤَثِّر فِي العَالَمِ: مُسْتَحِقٌّ لِلعِبَادَة الشَّرْعِيَّة. وَقُدْسِيُّ الْذَّاتِ وَالْصِّفَاتِ مُنَزَّهٌ عَنِ الْمِثْلِ وَالْشِّرْكِ وَالْعِلَّةِ وَالْكَفَاءَةِ وَالْقَدَر فِي الْمَاهِيَّة. وَمُسْتَحِقُّ الْعِبَادَةِ مُنَزَّهٌ عَنِ الْعَبَثِ وَالْسُّدَى فِي أَقْدَارِ وَمِصِيْرِ الْبَرِيَّة.

لا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيْزِ فِي خِطَابِ الإِلَهِيَّة: بَيْنَ الْنِّسْبَةِ الْنَّفْسِيَّة، وَالْنِّسْبَةِ الإِضَافِيَّة. فَالْنِّسْبَةُ الإِلَهِيَّةُ الْنَّفْسِيَّة: بَيَانٌ لِلْصِّفَةِ القُدْسِيَّة، وَهِي الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالْصِّفَات الْعَلِيَّة. والْنِّسْبَة الإِلَهِيَّة الإِضَافِيَّة: بَيَانٌ لِلآثَار الْقُدْسِيَّة، وَهِي العِبَارَاتُ الْعَالَمِيَّة، كَالكَيْنُوْنَة وَالْمَعِيَّة. وَالْمَنْسُوْبَاتُ الإِلَهِيَّةُ الْنَّفْسِيَّة: صِفَاتٌ قُدْسِيَّة نَزِيْهَةٌ عَن الْمَاهِيَّة الْكَوْنِيَّة. وَالْمَنْسُوْبَاتُ الإِلَهِيَّة الإِضَافِيَّة: رُمُوْزٌ لِلْصِّفَات الْقُدْسِيَّة. قال الله تعالى: ﴿ لَيْس كَمِثْله شَيءٌ وهُو السَّمِيعُ البَصِير ﴾، وقال: ﴿ وهُو مَعَكُم أَيْن ما كُنتُم؛ واللهُ بِما تَعْمَلُون بَصِيْر ﴾.

يَهديك إلى مَعرفة فَساد مَذهب الزائغين _ لاسيما الحَشَوِيَة _ في الإلهِيَّة: أنهم يَستنِدون إلى فَهمهم لِما تشابه عليهم من النصوص الشرعية. وفَهمُهُم مُنْكَرٌ بالمُحْكَمَات النَّقْلِيَّة والعَقْلِيَّة؛ المُطْلِقَة لِقَدَاسَةِ البَارِي عَن مَاهِيَّاتِ الْصِّفَاتِ الْكَوْنِيَّة. وإذا أنكَرَنا عليهم تَحْريفَ النُّصُوص التي يَتَتَبَّعْونَها للفِتْنة ببِدْعَتهم الشَّقِيَّة، زَعَموا أننا نُعَطِّلُ النُّصُوص المَرعِيّة! وما يَكون لنا أنْ نَفعل هَذا، سُبحان الله هذا بُهْتان عَظِيم من الحَشوية؛ فأهْل الحَق: يُثبِتون النُّصُوص ويُنْكِرُون المَعاني المَنْفِية.

لا بُدَّ لِلْبَاحِثِ فِي صِفَاتِ اللهِ اللَّطِيْفِ مِنَ التَّفْرِيْقِ بَيْنَ نَفْيِ اللَّفْظِ أَوْ الْصِّفَةِ وَنَفْيِ الْتَّوْصِيْفِ. فمَن علِم هذا التفريقَ الحنيف، أدرَك أنَّ تأوِيل “أهل الحَق” يَنْفِي التَّوْصِيف (بنَفْي وَصْف المَعاني المُنْكَرة) دُون إنكار أو تَحريْف.

مِن جهل المفتونين مِن السلفية الحشوية: توهم مُوافقة الشرع بتأويل ألفاظ الصفات السمعية بالحقائق اللغوية الموضوعة للدالة على الصفات الكونية! وإن اللغة العربية فيها المَعاني الحقِيقية والمَجازِية، وقَد أَثبت الدليلُ امتناع المعاني الحقيقية في الصفات الإلهية، فظَهَر ضلالُ الحشوية.

مِن جَهل مَفْتُوني السلفية الحشوية: تَوهُّم مُوافَقة التَّنزِيه بإثبات الحقائق الكَوْنية للصفات القُدسيَّة مع قَرِينة “يَليْق برب البرية”! والإثْبات سَواء قام على تَساوي الطَوِيَّة أو اختِلاف المَظاهر المَرْئية: لا يُنَزِّه عن الاشتراك والأحكام الكَونية! فظَهَر ضلالُ الحشوية.

لا بُد من التمييز بيْن الدلالة الكلامِية والدلالة الخطابية، وبين الحقيقة المَعنوية والحقيقة البُنيوية لإدراك دلالة الخطاب بالصفات القدسية. ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؟ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾[الزمر:9].

المؤمنون بصِفات الله جل جلاله العَلِيَّة:

1/ أهل الحَق (المُستَقِيمون على السُّنة المُحمدية) الذين يُثْبتونها مُقدَّسَة! فتُخالِف صفات البَرِية.

2/ أهْلُ البَاطِل (الزائِغُوْن عَن السُّنَّة المُحَمَّدِيَّة) الَّذِيْن يُثْبِتُوْنَها مُخَصَّصَة! فَتُوَافِقُ صِفَات البَرِيَّة.

مَعْنَى “اللفْظِ” يَقُوْمُ عَلَى ثَلاثَةِ أُصُوْلٍ فِي اللسَانِ: الْتَّجَرُّد، وَالإضَافَةِ، وَالاقْتِرَان. كلفْظ “يَد”؛ مُجَرَّد: يعني القَبْض، ومُضاف: يعني صِفة المضاف إليه كعُضْو جَسد الإنسان، ومُقْترن: يعني مقتضى الدليل المَقرُون به كالقُدرة.

شِرعة الصفات الإلهية: إدراك ثبوتها أحدية؛ والتعبد: بإثبات النَّقلية صمدية نزيهة عن مِثل الشُّؤون الكَونية، والتقرب بها وفق الحدود الشرعية. ط

‏كَمَالُ الصِّفَات الإلَهِيَّة فِي الأَحَدِيَّة! فَكَمَالُ الصِّفَاتِ الكَوْنِيَّة مُنَافٍ لِلإلَهِيَّة؛ لأنَّ سِمَاتهَا خَلْقِيَّة.

‏خِطاب الصِّفات الإلَهية: قِراءة تَعَبُّدِية! فاتِّصاف الله جل جلاله بمَقرُوئها: كوْنُه مُتَمكِّنا مِن مُقْتَضَياتِها وِفْق الماهِيَّة القُدْسِية.

‏الاشْتِراكات الواقِعَة بَيْن الصِّفات الإلَهِيَّة والكَوْنِية: عِلْمِية، غايَتُها: الهِدايَة إلى المَعْرِفة، لا إلى التماثُل فِي الماهِية.

المَكَانُ: هُوَ مَوْضِعٌ يَحْوِي الجَواهِرَ والأَجْسَامَ، سَوَاء الكُلِّيٌّ الحَاوِي لِلْعَالَمِ، أَوَ الجُزْئِيٌّ الحَاوِي لِلأَنَامِ. فالمكانُ كائِن مَحْدُود، ويَنْتَهِي بحَدّه الكَوْنُ المَوجود؛ ﴿قُل لو كان مَعه آلِهةٌ كَما يقولون إذا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْش سَبيلا﴾.

لَيْسَ بَعْدَ هَذَا العَالَمِ شَيْءٌ كَائِنٌ، وَالإِلَهُ عَنْ مَدَارِكِ الأَبْصَارِ بَائِنٌ. فِي القُرْآنِ الكَرِيْم: ﴿ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾[طه:50].

آفَّةُ النَّظَرِ فِي الإلَهِيَّة: الإصْرارُ عَلَى العِلْم بالمَاهِيَّة، فَضْلا عَن تَقْيِيْدِهِ بمُسَاوَاة مَاهِيَّةِ البَرِيَّة. وَقَدْ كَفَى اللهُ تَعَالَى النَّاظِرِيْنَ وبَيَّنَ أنَّ مُنْتَهَى الْعُلُوْم الْكَوْنِيَّة: الْهِدَايَة لإِثْبَات الإِلَهِيَّة. فَقَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلا: أنَّه ﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدَى ﴾[طه:50]. فَمَنْ أَسْلَمَ لِلعَجْزِ عَن إِدْرَاك المَاهِيَّةِ الإلَهِيَّةِ نَجَا، وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى الإِدْرَاك فَقَدْ ضَلَّ وَغَوَى.

مِمَّا أَحْدَثَهُ المُبْتَدِعَةُ بِنَاءً عَلَى أَهْوَائِهِم المُتَّبَعَة وَأَلبَسُوْه عَلَى المُؤْمِنِيْن: تَشْبِيْهُ رَبِّ العَالَميْنَ. فأَثبَتوا المُساواة بيْن الخالِق والخَلْق في أحكام المَاهِيَّة، وزَعموا أن قولهم بلا تَشبِيه .. الخ يَحفظ النّزاهة عن المُشابَهة الكَونية! والحَقُّ: أنّ التَّشْبِيْهَ .. الخ المُنْكَرات فِي الدِّيْن، تَثْبُت بنَفْس تَعلِيق أحكام الخَلْق بالخَالِق لا بِاعْتِبَارات المُثْبِتِين. فمَنْ أثْبَت لله تعالى أَحْكامَ الكائِنات (كالحُدُود والغَايات والأَرْكان والأَعْضَاء والأَدَوات والجِهَات)؛ فَقَد شَبَّهه بالمُبْتَدَعات. قال اللهُ القَدِير: ﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾[الشورى:11]. ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾[الأنعام:103].

لا عَجَبَ مِنْ أَنْ يُنْكِرَ بَيَانَ أَهْلِ الْحَقِّ – فَضْلاً عَنْ أُصُوْلِهِم، وَلاسِيَّمَا فِي الإِلَهِيَّاتِ – الْزَّائِغُوْن؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ، وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾[العنكبوت:43].

مِن فِرْيَة وتَلْبِيْسِ الزَّائِغِيْن الأَشْقياء: زَعْمُ أن تَعبِيرَ “اللهُ في السماء” يَدُلّ إلا على تَمَوْضُع اللهِ تَعالى في العَلْياء! وهَؤُلاء: يُؤَوِّلُوْنَ تَعْبِيْرَ “اللهُ فِي الأَرْض”، وَإذْ أَوَّلَ أَهْلُ الحَقِّ شُبْهَتَهم رَمُوْهُم بالتَّجَهُّم وَالافْتِرَاء! الصَّوابُ: أنَّ دَلائلَ التَّوحِيْد العِلْمِيَّة (نَقْلا وعَقلا) تُنْكِر التَّمَوْضُع في الإلَهِية؛ لأنَّه: تَكْوِيْنٌ، وشَأنُ الفُقَراء. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّماوات والأَرْض أَنَّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ؛ ولَم تَكُن لَّه صاحِبةٌ، وخَلَق كُلَّ شَيءٍ .. ﴾[الأنعام:101].

أَصْلُ الإِرَادَةِ: إِمْكَانُ قَصْدِ الأَشْيَاءِ الْمُمْكِنَةِ، وَهِي نَوْعَان: قُدْسِيَّةٌ، وَكَوْنِيَّةٌ.

الإِرَادَةُ القُدْسِيَّةُ: إِمْكَانُ تَخْصِيْصِ الْمُمْكِنِ بِمَا يُجُوْزُ عَلَيْهِ؛ ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾.

الإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ: إِمْكَانُ قَصْدِ شَيْءٍ دُوْنَ شَيْءٍ مِنَ الْمُمْكِنَات. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيْدُ ثَوَابَ الْدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾[النساء:134].

أَصْلُ الْرَّقَابَةِ: الاطِّلاعُ، وَهِي نَوْعَان: إِلَهِيَّة، وَكَوْنِيَّة.

الرَّقَابَةُ الإِلَهِيَّة: الإِحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ اطِّلاعًا؛ ﴿ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا ﴾[الأحزاب:52].

الرَّقابَةُ الكَوْنِيَّة: الاطِّلاعُ على الأشْياء المُمْكِنَة بِقَدْر الوسْع، وهي في الكَسْب نَوْعان: مُراقَبَةٌ نَفْسِيَّة أو قُدْسِيَّة.

الْمُرَاقَبَةُ الْكَوْنِيَّةُ الْنَّفْسِيَّةُ: هِيَ الاطِّلاعُ بِقَدْرِ الْوسْع عَلَى شُؤُوْنِ الْشَّيْءِ الْذَّاتِيَّة. وغَايَةُ المُراقَبَة النَّفْسِيَّة: إمَّا الْعِلْمُ بِهَا ابْتِغَاءَ مَصَالِح شَخْصِيَّة، أَوْ حِفْظُ قِيَامِها عَلَى حُدُوْدٍ مَعْنِيَّة.

المُراقَبة الكَونِيّة القُدْسِيّة: هي العِلْم بمراقبة البّارِي للبَرِيّة، بذِكْر اطلاعه والنَّظر للأحوال الشخصية، لا إليه بنحو تصور ماهية.

الْعَجْزُ: بَيْنُوْنَةُ الشَّيْءِ عَنِ إِدْرَاكِ الأَبْصَار.

الْوَحْيُ الإِلَهِيُّ: هُوَ الإعْلامُ الْمُقَدَّسُ لِلأنْفُس، وَيَقَعُ عَلَى ثَلاثَة أَنْوَاع: تَشْرِيْعِيّ، وَتَعْرِيْفِيّ، وَفِطْرِيّ.

1/الوَحْي التَشْرِيعِي: هو الإعلام المُقَدَّس بأحْكام العِبادَة المَطلوْبة مِن الأنام، وهو مِن خَصائِص الرُّسل المُشرِّعِين عليهم السلام.

2/ الوَحْي التَّعْرِيْفِي، المُعبَّر عنه بـ “الكَشْف”: هو الإعلام المُقَدَّسُ بشُؤُوْن العابِدِيْن والعالَمِيْن، ويكون جَلِيًّا وخَفِيًّا.

أ/ الكَشْف الجَلِي، يُعَبَّر عَنه بـ “العِلْم اللدُنِّي”، وهو الإعْلام بالغُيْوْب والأحكام المُسْتَنِدة على التشريع، ويقع للأولياء الكرام.

ب/ الكَشْف الخَفِي: هُو مَبْعُوث عِلْمي يَتَعلَّق بالشُّؤون الشَّخصِية، كإلْهام وهاتِف! يَقَع على دَرَجات لكافَّة الناس، وأحكامُه ظَنِّية.

3/ الوَحْي الفِطْرِي، المُعبَّر عنه بـ “الغَرِيزَة”: هُو مَبْعُوْث عَمَلِي يَتَعَلَّق بالشُّؤون الشَّخْصِيّة ويقع لكافة أحْياء البَرِيَّة.

ذاتُ الإنْسان كائِن يَهْدِي إلى “التوْحِيد الإسلامي” المَصُون؛ فشَأنُه الظاهِر مُحْدَث، وآثارُ الباطِن فِيه دَلِيل على أمْر إلهي مَكْنُون. ومِنْ ثمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾[الذاريات:21].

كُنْه “رُوْح الإنسان” غائب عن إدْراك العِباد! فثُبُوته بالآثار دَلِيل على ثُبُوت الإله الحَقِّ، القائم عليه بيَدَيه (في الخَلق والإمْداد). مَنْفَذ الأمْدَاد الرُّوْحِيَّة: العَقْل والنَّفْس الحَيَّة! وآثارُها وحِفْظُها: بِقَدر حِفْظ الأخْلاق الصَّالِحَة والحُظُوظ القُدْسِيَّة.

يَشْهد النظر السَّوِي؛ للكَون: بوُجود إلَه أحَدي! يُهتدَى إليه ولا يُدرَك، لنزاهته عن الكُنْه الكَوني؛ فخَلْق كُلِّ كائن بأَمْره القُدْسي. قال الله جل جلاله: ﴿ شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُو والملائِكَةُ وأُوْلُوا العِلْم قآئِمَاً بالقِسْط؛ لا إلَهَ إلا هُو العَزِيزُ الْحَكِيم ﴾.

إنما عَجزَت الأبْصارُ عن إدراك الحَقِيقة الإلَهِيَّة: لتَعلُّقها بالأشياء الكَونية، واقْتِصارِ الفَهم على المُناسَبة والمُنافَية العِلمية. وإنَّ الله سُبْحانه مُنَزَّهٌ عَن الكَوْنِيَّة، وَلَيْس له مُناسِب أو مُناف في الوُجُوْد لِيُفْهَم بالمُطابَقة أو المُضادَدة العَقْلِيَّة.

توحيد الإخلاص: قال اللهُ جل جلاله: ﴿ قُل ﴾ أَيُّها العاقِلُ، لنَفْسِك إيْمَانًا، وبِنَفْسِكَ إسْلامًا: أَنَّ ﴿ هُوْ ﴾ واجِبُ الوُجُوْد سَرْمَدًا الرَّبُّ الحَقُّ، المُؤَثِّرُ لذَاتِه فِي الكَائِنات جَوْهَرًا وعَرَضًا، فَيَنْبَغِي أَنْ لا تَتَوَجَّهَ الوُجُوْهُ إلا إلَيْه تَعَبُّدًا: إنَّمَا هُوَ ﴿ اللهُ ﴾ الَّذِي لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى المَعْلُوْمَةِ مِنْ طَرِيْقِ الْوَحْيِ لا الآلِهَة التي سَمّاها الناسُ بالظُّنون والأهواء عَمدا أو جَهلا، وأَماراتُ الخَلْق قائمة فيها، وتَدُلّ على حُدُوثها وامتِناع إلَهِيتِها! كما تَدُل على أن الإلَه هُوَ الله؛ لأن الله ﴿ أحَدٌ ﴾ يَستَحِيل أنْ يكُوْن لَه مِثْل في نَفْسه فيُساوِيه أو يُشارِكه؛ فلَيْس كَمِثْله شَيء وَ ﴿ اللهُ الْصَّمَدُ ﴾ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، فَلا يَفْتَقِرُ إِلَى شَيْءٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ لِنَفْسِهِ بَيْنَما كُلُّ شَيء مِنَ الكائِنات مُقَوَّمٌ على الإطْلاق، والحَقّ: أنَّ اللهَ هُوَ القائِم علَيهم بنِعْمَته، فَما بِهم مِن نِعْمَة فمِنْه واللهُ ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾، فيَسْتَحِيْل أَنْ يَكُوْن بنَفْسِه عِلَّةً لشَيء! فَخَلْقُ الكَائِناتِ بَعْدَ أَنْ لَم تَكُن: قَدْ حَدَثَ بأَمْرِه كَمَا ﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾، فَيَسْتَحِيْلُ أَنْ يَكُوْنَ مَعْلُوْلًا لِشَيْءٍ فِيْ نَفْسِهِ وَلِنَفْسِهِ فَلَيْسَ هُوَ مُقَدَّرًا فِيْ نَفْسِهِ، وَلَا يُقَدِّرُ الْمُحْدَثَاتِ لِنَفْسِهِ! ذَلِك ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ ﴾ اسْتِحَالَةً: ﴿ كُفُوًا ﴾ يُضَاهِيْهِ فَيَسْتَحِقَّ حُقُوْقَهُ ﴿ أَحَدٌ ﴾ فِيْ الْوُجُوْدِ ” لَهُ مُلْكُ السَّماوات والأرْض، ولَم يَتَّخِذْ ولَدًا، ولَم يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْك، وخَلَق كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا “.

الشرح الثاني لسورة الإخلاص:

سورة الإخلاص تُخْبِرُ عن إخلاص اللاهوت، أي: علم الإلهية، ( وهو: توحيد الله تعالى ). فقول الله تعالى ﴿ قل ﴾ تكليفٌ بالإِيمان والشهادة بِمَا سيضاف إليها. و ﴿ هو ﴾ يعني الإله الموجود حتماً؛ لوجُود العالَم، فإنَّ وجودك وسائر الكائنات لا يحصل إلا بأمره. وذلك الإله اسمه ﴿ الله ﴾ ومعناه الإلَه المُسْتحق للعبادة من مَخْلُوقاته؛ فإن التأثير في العالَم بالإلهية يحصر الحَقَّ للمُؤثر في العُبُودية!

وهو ﴿ أحد ﴾ لا يُماثِل أو يَشْتَرِك مع شيء في المَاهِية ( وهي الحقيقة النَّفْسِية الوُجُوْدِيَّة ). فيَستَحيل عليه المَاهِيات الكَوْنِية؛ لأن المُماثلة لها والاشتراك معها في شيء ينفيان الإلهية. وبالتالي: لا يصح التعرُّف على الله تعالى بأحكام العالم (كالمَكان والأجسام)، وإنما يُهتَدى إليه بتلك الأحكام. وقول الله تعالى ﴿ قل هو الله أحد ﴾: خبَر تام عن توحيد الله تعالى، وما يليه: بيان الحجة على صحة هذه الدعوى، وهو ما سنتحدث عنه في مجلس لاحق.

﴿ قل هو الله أحد ﴾ خَبَر تام عن توحيد الله تعالى، وأن ما يليه حجة على صحته. بيان ذلك:

فإن قول الله تعالى ﴿اللهُ الصَّمد﴾ للدلالة على وجود الله إلها واحدا.

فالعالَم لنفْسِه (وُجُودا) مُقَوَّم (محتاج إلى إلَه يُقوِّمه).

فالكائنات في نفسها (ماهِيًّا) وإلى نفسها (كَسْبِيًّا) تحتاج إلى خالق.

وحاجة العالم للإله تدل على أن الإله موجود، وأنه قائم بنفسه.

يحتاج إلى شيء لِنَفْسه “ماهِيًّا” أو إلى نفْسِه “كَسْبِيًّا”.

وقول الله تعالى: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ يدل: على أنه سرمدي ( ليس لوجوده أول ولا آخر ). وبيانه:

فقول: ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾ يعني: ليس بعده شيء، وقول: ﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ يعني: ليس قبله شيء.

وقول الله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ للدَّلالة على أن لا شيء يُماثِل أو يَشْتَرِك مع الله تعالى في المَاهِية.

فقول: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ يعني: ليس يُضَاهِيْهِ شيءٌ فَيَسْتَحِقَّ حُقُوْقَهُ.

ظَاهِرُ مَعْنَى الخِطَابِ مُقَيَّدٌ بِأَدِلَّةِ الكِتَابِ. فادِّعَاءُ “ظَاهِرٍ” بِالتَّحْرِيْفِ والانْحِرَافِ إلَى الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ: افْتِرَاءٌ عَلَى العِلْمِ وَالوَحْيِ المُقَدَّس.

مِن تَلبيس الحشوية: ادِّعاء إيمانهم بنُصوص الخِطاب على ظاهرها المُبين! والحق: أن تلك الظواهر: إنما هي ما ظَهر لهم بناء على زَيغهم المهِين. فيُقال لهم: ما ظواهركم إلا فِرية ادَّعَيْتُموها أنتم وأسلافُكم! ما أنزل اللهُ بها مِن سُلطان؛ إن تتَّبعون إلا الظَّنَّ وما تَهوَى أنفسُكم.

تَجَلِّيَاتُ الْحَقِّ لِلْبَرِيَّةِ: مُكَاشَفَاتٌ بِأَحْكَامٍ إِلَهِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ بَأَسْمَاءٍ قُدْسِيَّة. تَجَلِّيَاتُ الْحَقِّ بِالْنِّسْبَةِ لِلْبَارِي شُؤُوْنٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَبِالْنِّسْبَةِ لِلْخَلْقِ: أَحْوَالٌ مَرْعِيَّة.

تَجَلِّي الحَقِّ بالسُّلْطان (المُعَبِّر عَنه البَعض بالاتِّحاد) عِند الصُّوْفية: شأن إلهِي يُهَيْمِن على الصُّوفي بأَحْكَامه القُدسِيَّة. ليس في “تجلي الاتحاد” وِحدَة نَفْسِيَّة! فمَن تأوَّلَه باتِّحاد الوُجُوْد: جاهِل بالرُّبُوْبِيَّة، ومَن أنْكَرَه: جاهل بالعُلوم العَلِيّة.

شِرعة الصفات الإلهية: إدراك ثبوتها أحدية؛ والتعبد: بإثبات النَّقلية صمدية نزيهة عن مِثل الشُّؤون الكَونية، والتقرب بها وفق الحدود الشرعية.

 ‏كَمَالُ الصِّفَات الإلَهِيَّة فِي الأَحَدِيَّة! فَكَمَالُ الصِّفَاتِ الكَوْنِيَّة مُنَافٍ لِلإلَهِيَّة؛ لأنَّ سِمَاتهَا خَلْقِيَّة.

‏خِطاب الصِّفات الإلَهية: قِراءة تَعَبُّدِية! فاتِّصاف الله جل جلاله بمَقرُوئها: كوْنُه مُتَمكِّنا مِن مُقْتَضَياتِها وِفْق الماهِيَّة القُدْسِية.

‏الاشْتِراكات الواقِعَة بَيْن الصِّفات الإلَهِيَّة والكَوْنِية: عِلْمِية، غايَتُها: الهِدايَة إلى المَعْرِفة، لا إلى التماثُل فِي الماهِية.

‏الله جل جلاله عن الخلق بائن؛ لم يحتج لشيء في ثبوته، أو لثبوته (كمحَل)، أو بتأثيره! ويحتاج إليه كل كائن.

‏خطابُ الصِّفات الإلهيَّة: للإهتداءِ، وليس للإبداء!

‏البريَّة: لاتفقه الأمور إلا وفق معاييرها الكونية، فاقتضى الأمر أنْ تظهر الصفات في الخطاب بهذه الاشتراكات المعنية؛ لإفهام البرية.

‏الله جل جلاله قرأ صِفَتَه بالتَّكْوين؛ لهداية النَّاسِ إلى الحُكم المُبين.

‏”القراءة التّعبُّديّة”: ألفاظٌ أنزلها الله جل جلاله يهدي بها؛ لمعرفة صفاتِه، وتعبّد الناس بها؛ للتَّقرُّب إليه ومناجاته.

لا يَلِيْقُ باللهِ العَلِيِّ: أيُّ وَصْفٍ كَوْنِيٍّ.

‏أصل صفات الكون: وسم خلقي! فإثباتها لله جل جلاله إسواء مثلي وحكمي، وإساءة للوصف والقدر الإلهي.

‏ما يُنسب لله من أسماء: يُفرَّق فيها بين الأسماء الإلهيَّة القدسيَّة، والأسماء العلمية.

‏الصفاتُ تطلق على الله تعالى علميَّاً وشرعيَّاً، ولا يُتَعبَّدُ إلا بالشَّرعيّة.

‏ما لِلكونِ مِنْ صفَاتٍ: هي له عَلاماتٌ.

‏‫اختار الزائغون أن لا يجعلوا للعقل حدودا، فصاروا إلى إثبات صفات الله جل جلاله على الصفات المدركة عندهم (‏يعني: تعالوا على العَجز، واستكبروا على الإقرار به في أنفسهم! فأثبتوا لله جل جلاله أحكام الكائنات).

كلام الله تعالى نوعان: كلام مقدس لا تدركه الأبصار، وكلام فِعلي يَقرأ دلالة القدسي في الوحى للأبرار.

‏أمانُ الإيمان بالله جل جلاله للبَرِية: حِفْظ الفِكْر في مُتَعَلَّقات الصِّفات الإلهية؛ لمُخالَفة النَّفْس القُدسِية، وعَجْزِ الأبْصار الكَوْنِية.

‏الحُجَج العَقلِية والنَّقلية اللاهُوتية مَنصُوبة للدَّلالة على ثُبوت الله جل جلاله “إله البرية”! فتتصل بثوابت الوحدانية، وتنقطع عن إدراك الماهية.

أهلُ الحَقِّ يُثبِتُون الصِّفات التي أثبتها اللهُ تعالى لِنفسِه شرْعًا، على حقيقة لا تُدْرِكُها الأبْصارُ عجْزًا.

خطاب (الصفات السَّمْعِية) وَرَدَ على وجهين:

الأول: بصفات نَفسية (تعرف لغة بحقائق معنوية، كالقدرة) فيصح أن يوصف بها رب البرية

الثاني: بصفات كَونية (تعرف لغة بالماهية، كاليد والنزول) فيصح الوصف بها مؤولة بالمعاني المصطلح على تصنيفها: مجازية.

ويُشْتَرَط في الوَجْهَيْن: نَفْي معاني الماهِية الكونية.

العجز عن إدراك الصفات القدسية دليل على صحة الإيمان بالإلهية.

‏ثبتت الأدلة الشرعيَّة بوجوب تنزيه الله تعالى عن الصفات الكونية.

 ما ضَل الزائغُ في الصفات إلا لأنه أبى إلا أن يَتلقى ما أضافه الله ﷻ لنفْسه على معاني الخَلْق وقواعد النظر في المحسوسات.

الأصل في دلالة ما أضافه الخطاب إلى الله عز وجل في ذاته وصفاته: نكارة مَدْلُول الحَقيقة الكَونِية مُطلقا.

عقيدة أهل السنة الصالحة في إثبات صفات الله العلية: هي العقيدة الأشعرية المبَينة للمقاصد السنية.

الأشاعرة يثبتون لفظ القرآن “كلام الله العظيم”، والمَعنى الذي يهدي إليه العِلم القويم.

1

2
3

4

5

6

7

8

9

10

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
الموقع الإلكتروني