شبهة: زعم قوم أن المشركين كانوا يُوَحِّدُون الله تعالى توحيد ربوبية

Bismillah (1)

     شبهة: زعم قوم أن المشركين كانوا يُوَحِّدُون الله تعالى توحيد ربوبية لنحو قول الله تعالى:( قل لمن الأرضُ ومَن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله )؟

     قال شمس الزمان الشيخ الدكتور طارق بن محمد السعدي أدام الله علينا وعلى الأمة فضله وإحسانه:

     ( وجوابه من وجوه:

     أحدها: أن السَّمعَ قد بيَّنَ شركَ المشركين بالإلهية على المعنى الذي قرَّرناه تصريحاً، كقول الله تعالى: { قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً } [ الإسراء:42 ]، { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } [ الأنبياء: 22 ]، { ما اتخذ الله من ولدٍ وما كان معه من إله إذاً لذهب كلُّ إلهٍ بما خَلق ولعلا بعضُهم على بعض سبحان الله عما يصفون } [ المؤمنون:91 ]، وقال سبحانه: { اتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً } [ مريم: 81 ] { واتخذوا من دون الله  آلهة لعلهم يُنصرون } [ يس: 74 ].

     وهذا لا يحتمل معنى آخر، والذي أوردتموه من الخطاب يحتمل وجهاً موافقاً له، ووجهاً معارضاً: هو ما تأولتموه به! فبطل تأويلكم؛ لاستحالة التعارض في السَّمع الثابت وترجَّحَ الأولُ وهو: أن الإقرار بإلهية الله تعالى إنما هو حكاية قيام الحُجَّة عليهم بالمجُادَلة، كما يقال:” قلت له من فعل كذا؟ فقال: فلان “، ويُراد: أنه نطق بذلك أو قامت عليه الحجة به بعد مجادلته، لا من جهة سبق إقراره.

     ودل عليه أيضاً: قول الله تعالى:  { قل لمن ما في السماوات والأرض؟ قل لله } [ الأنعام: 12 ]، فبيَّن: أن لرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يتَّبع مِلة سيدنا إبراهيم عليه السلام في إقامة الحجة على المشركين – نحو مجادلته النَّمْرُوْد في إلهيّة الله تعالى قائلاً { إن الله يحيي ويميت، فقال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبُهِت الذي كفر } [ البقرة:258 ] – ويُجادِلُ المشركين في إلهيّة الله تعالى، فَيُبَيِّنُ لهم: أنَّ خالق الأرض ومَن فيها، والسماوات السَّبع ومن عليها إلهٌ واحِدٌ بيده ملكوت كلّ شيء وهو يجير ولا يُجارُ عليه؛ وهو قول الله تعالى: { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم * إن في خلق السماوات والأرض .. } الآية. وأنَّ شُركاءَهم لا يخلقون أو يملكون شيئاً: { قل هل من شركائكم مَن يبدأ الخَلقَ ثُمَّ يُعيدُه؟ قل الله يبدأ الخلق ثم يُعيده } [ يونس: 34 ]، { الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم، هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يُشركون } [ الروم: 40 ]، { يا أيها الناس ضُرب مثل فاستمعوا له: إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب } [ الحج: 73 ]، فإذا قامت عليهم الحجة بذلك، قال لهم { أفمن يخلق كمن لا يخلق } [ النحل: 17]! { قُل إنما أنا مُنْذِرٌ وما من إله إلا اللهُ الواحد القَهَّار } [ ص: 65 ]، { إنما إلهكم اللهُ الذي لا إله إلا هو } [ طه:98 ]، فمن لم يشرح اللهُ تعالى صَدْرَه للإيمان بِهِ أصَرَّ كُفْراً؛ { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا اللهُ يستكبرون } [ الصافات: 35 ]، فيقول لهم: { أفلا تذكرون }، { أفلا تتقون }، { فأنَّى تُسْحَرُون }، { فأنَّى تؤفكون } .. الخ.

     ويشهد لذلك: أن النصارى لما ادَّعوا أن الله تعالى ثالث ثلاثة، وأنه المسيح ابن مريم عليه السلام! أجابهم اللهُ تعالى بقوله { ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاءُ واللهُ على كلّ شيءٍ قدير }  [ المائدة: 17 ]، وفي هذا من العلم: دلالة خَلْقِ العالَم على التوحيد الكامل ( توحيداً وأحديَّة )؛ إذ بالأوَّل: يظهر استحالة تعدّد الآلهة، وهو يستفادُ من أحْدَاثِ العَالم، فبطل التثليث. وبالثاني: يظهر استحالة مماثلة الخَلقِ، وهو يُستفاد من حُدُوْث العَالَمِ: أي بكونه مخلوقاً لأن معانيه ( الجِسمَ والجوهر والعَرَض ) على اختلاف مظهرها مُحْدثَة، فبطل التزاوج والتوالد والاتحاد؛ لأنها معانٍ للخَلقِ.

     وقول الله تعالى: { وقالت اليهود عزيرٌ ابنُ الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضائهون قول الذين كفروا من قبل قاتهلم اللهُ أنا يؤفكون } [ التوبة: 30 ]؛ إذ بيَّن أن شرك المشركين كان إلحاداً بالله تعالى؛ لأنه كذلك في قول اليهود والنصارى، وهم ضاهوا به قول الكفار.

     وفي بعض الأخبار:” أن المشركين كانوا ليضربون أحدّهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: أحد أحد”.

     وفي بعضها:” أن المُشركين أخذوا اسم ” اللات ” من الله، و” العزى ” من العزيز، و” مناة ” من المَنان!! والجمع بينه وبين ما ورد أنها أسماءُ خَلْقٍ: أنها كانت كذلك فلما اتخذوهم آلهة نسبَ السَّامِعُون منهم بالله تعالى أسماءَهم إلى أسمائه! من باب الإلحاد في أسمائه عزَّ وجلَّ. أو هو كما قال النصارى: { أن الله هو المسيح ابن مريم} [ المائدة: 17 ]! من باب الإلحاد فيه عزَّ وجلَّ ). [ هداية المؤمنين ].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
الموقع الإلكتروني