شبهة: أن التوسل والتبرك ينافيان الاعتماد على الله!

بسملة

     شبهة: أنَّ التَّوسل والتَّبرك ينافيان الاعتماد على الله!

     الجواب:

     أوَّلاً: قال شمس الزمان الشيخ الدكتور طارق بن محمد السعدي أدام الله علينا وعلى الأمة فضله وإحسانه:

    ( إنما أنكر الزائغون الوسائل والتوسلات الشرعية : من جهة عدم تمييز الباطل عن الحق ؛ بناء على ما تشابه في خطاب الإلهية ).

     ثانياً: لم ينهَ الشرع – كما في آية: ( إذا سألك عبادي عني.. ) وحديث: ( إذا استعنت فاستعن بالله.. ) – عن سؤال غير الله ( كسبب ) فلو قال: لا تسأل إلا الله ولا تستعين إلا بالله؛ لصحَّ أن يكون هناك اشتباه على المنكرين، لكن النص يقول: ” إذا سألت – أي: فعلت الأسباب -؛ فاسأل الله – أي: يكون توجُّهك القلبي إليه؛ لأنه هو المؤثِّر الفعلي، وهكذا في الاستعانة، فهو أمر ببذل أسباب السؤال والاستعانة؛ ( ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سُخْريَّا ) [الزخرف : 32]، ” من نفَّس عن مؤمنٍ كُرْبةً من كُرَب الدنيا .. ” [ رواه مسلم ] ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ) [النساء : 85]، ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) [النساء : 64]، ( وابتغوا إليه الوسيلة ) [المائدة : 35]، ( أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته .. ) [الإسراء : 57] ..الخ، وأمر عند بذل الأسباب أن يكون الاعتقاد القلبي: أنَّ المؤثِّر الفعلي في كل الأسباب هو الله جل جلاله، ويؤكد ذلك تكملة الحديث: ” واعلم أن الأمَّة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك .. “، وإنما تبذل الأسباب لأن الله تعالى أمر بها وشرعها وجعلها وسائل لتحقيق المطالب.

     تنبيه: لا بد أن يتذكَّر المرء قول المصطفى عليه الصلاة والسلام ” إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا .. ” فلا يقف على نصٍ ويضرب به النصَّ الآخر مما ينتج التناقض والتعارض!

     قال شمس الزمان الشيخ الدكتور طارق بن محمد السعدي أدام الله علينا وعلى الأمة فضله وإحسانه:

     ( مِنْ خَطَأ وَتَلْبِيْسِ المُعْرِضِيْنَ والمُنْكِرِين عَلَى التَّوَسُّلِ إِلَى الرَّبِّ: الخَلْط بَيْن الوَسِيْلَة والحَجْب.

     والوَسِيْلة: قُرْبَة، فتُعَضِّد مَسْألة السَّائِل وَتَزِيْد مِنْ قُرْبِهِ، دُوْنَ أَنْ تَحُوْلَ بَيْنَه وبَيْنَ رَبِّه.

     ومِن ثُم: ثَبَتَت مَشْرُوْعيَّتُها بالقوْل والفِعْل والتَّقرِير المُحْكَم، وكانت سَبَبَ الاسْتِجابة للناس يَوْم العَرْض الأعْظم.

     والحَجْب: سَتْرٌ، وَفِي البَاب: يَذُمُّ المَسْؤُوْلَ ويُبْعِدُ السَّائِلَ، ويَحُوْلُ دُوْنَ المُقَابَلَةِ لِعَرْضِ المَسَائل.

     فالمُعْتَرِضُ عَلى التَّوَسُّلِ تَرْكًا لِظَنِّ النَّكارَة أو تَوَرُّعا لِظَنِّ السَّلْب: مَفْتُونٌ عن حُكْمِه وفَضْلِه عِنْد الرَّبّ.

     وقَد أَنْزَل سُبْحانه في كِتابه: ﴿ يَبْتَغُون إلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُم أَقْرَبُ، وَيَرْجُون رَحْمَتَهُ وَيَخَافُون عَذَابَه ﴾  ).

     فائدة: يستدل البعض بقوله تعالى ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان ) [البقرة : 186] ويضرب به النصوص التي تحثُّ على التوسل دون فهمٍ للجمعِ بين النصوص وتصديق بعضها لبعض! فضلاً عن كون الآية لا يوجد فيها ما يشتبه بكونه نهي عن التوسل، وعلى المرء أن ينظر في الحديث الوارد فيه: ” .. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب .. يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له؟” [ رواه مسلم ] فالقضية تتطلب الأسباب والوسائل الصحيحة والمشروعة الواجبة والمستحبة والمباحة، ولذلك ليس كل من دعا تستجاب دعوته، وبالتالي ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك .. ).

     ثانياً: من يفهم الحديث على أنَّ سؤال غير الله شرك؛ فعليه أن يتوقف عن سؤال الناس في حاجاته وأن لا يستعين بأحد منهم في شيء لأن ذلك يوقعه في الشرك وفق منهجه ويجعله يناقض قوله! وإنْ أراد أن يُخصِّص ذلك في شيءٍ دون شيء فعليه أن يأتي بدليل تخصيصه.

     ثالثاً: من يفهم من هذا الحديث المنع من التوسل؛ فعليه أن يمنع نفسه من التوسُّل بالدواء لتحقيق الشِّفاء، وعليه أن يطلب الشِّفاء من الله تعالى مباشرة من دون وسيلةٍ فالله تعالى هو القادر وحده على الشِّفاء! وإلا فهو وفق منهجه وقع في الشرك لأنه طلب الشِّفاء من غير الله!! وإن كان يرى أنَّ الدواء وسيلة لشفاء الجسد لم يمنع الشرع منها بل حثَّ عليها، فكذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام والصالحون هم وسيلةٌ لشفاء القلوب أَمَرَ الشرع بها وحثَّ عليها، وإنْ كان الدواء يمحو أمراض الجسد فإن هؤلاء يمحو الله بهم أمراض القلوب ( الذنوب )، وإنْ كان الدواء يجلب النَّفع والعافية للبدن، فإنَّ هؤلاء ينفع الله تعالى بهم العباد ويقضي لهم بهم الحاجات، فلماذا يُحلُّون ذلك هناك ويحرِّمونه هنا؟!

     رابعاً: لما أجدبت الأرض في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه، عام الرمادة سنة 17هـ، ذهب إلى عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ووالد راوي الحديث ( سيدنا العباس رضي الله عنه ) متوسِّلاً به، ولم يقتصر على سؤال الله مباشرة، فهل سيقولون أنَّ سيدنا عمر وقع في الشرك! ورضي بذلك سيدنا العباس! وسكت عن ذلك الصحابة؟!!

     خامساً: في الحديث معنى كبير علمه المصطفى عليه الصلاة والسلام لسيدنا ابن عباس رضي الله عنه، وهو استشعار معية الله تعالى في كل أحوال العبد وأفعاله، وهذه تحتاج إلى قدر ٍكبيرٍ من المجاهدة للنفس وتقويمها على ذلك، ولذلك أتى في نهاية الحديث الحث على العزيمة والرضى بالأقدار والقيام بحقوق الله فيها على أتمّ وجه ” واعلم أن الأمة لو اجتمعت .. ” وفي رواية أخرى ورد ” واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا “.

     الخلاصة: قال شمس الزمان الشيخ الدكتور طارق بن محمد السعدي أدام الله علينا وعلى الأمة فضله وإحسانه:

     ( .. وإليه يرجع معنى نحو خبر ( إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله ) فيكون معناه: عند سؤالك أو استعانتك غير الله تعالى كن سائلا مستعينا الله سبحانه؛ لأن غيره ليس له تأثير في شيء ولا ينفع أو يضر إلا بإذنه. ولا يقال: فلا تسأل أو تستعن غير الله؟ لأنه أذن بذلك، وسنّه، بل جعله سببا للإجابة ومحلا لتعظيم خطر المسألة وضرورة حلها. فالمانع منه مانع لما شرعه الله تعالى، ومعطل لما لم يشرعه الله تعالى عبثا. مع العلم: أن هذا الحديث أعم من مسألة التوسل التي نحن بصددها، فيشتمل على كل ما يباشره العبد حتى من نفسه. فتنبه ). [شفاء الأحزان].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
الموقع الإلكتروني