أنواع التدين

بسملة

قال شمس الزمان الشيخ الدكتور طارق بن محمد السعدي أدام الله علينا وعلى الأمة فضله وإحسانه:

العبادة ثلاثة أنواع:

     عِلميَّة: ( تؤدّى بالقلب, أي: العقل ), وهي: طلب العلم الدِّيني: تَعلُّماً وتَدَبُّراً وتفكُّراً واعتقاداً ( والعقيدة الإسلامية: هي المبيَّنة في طريقتي أهل الحق: الأشاعرة والماتريدية رضي الله تعالى عنهم ), وكذا كلِّ علم دُنْيَوِيٍّ نافع, كعلم الطِّبِّ والأحياء والعِمارة.. الخ.

     قال الله تعالى: ( .. يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَّلذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) [ المجادلة :11 ], ( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) [سبأ : 6]. ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) [ص : 29],

( .. كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) [ البقرة : 219], ( .. قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى والْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ) [الأنعام : 50], ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) [آل عمران : 119], ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحبِكُم مِّن جِنَّةٍ إنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لْكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ) [سبأ : 46], ( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) [السجدة : 15].

    وفي بعض الأخبار: { من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع }, { لا خير في عبادة لا علم فيها, ولا علم لا فهم فيه, ولا قراءة لا تدبر فيها }, { تفكروا في آلاء الله, ولا تفكروا في الله } ومعناه: تفكروا في خلق الله تعالى للتعرف عليه, ولا تتفكروا في ذاته القدسيَّة لما ثبت من مخالفته للكائنات وعجزكم عن إدراكه بشيء من أبصاركم, حتى لا تضلوا أو تضربوا له الأمثال؛ وقد قال الله تعالى: ( فَلاَ تَضْرِبُواْ للهِ الأَمْثَالَ إنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) [النحل : 74].

     فِعليَّة: ( تؤدى بالبدن ), وهي : العبادات والمعاملات المذكورة في الفقه الإسلامي المبين في مذاهب أهل الحق الأربعة ( الحنفي والمالكي والشافعي وصحيح الحنبلي ) وملحقاتها الصحيحة, كالصلاة والزكاة والصيام والحج والبيع والنكاح والقصاص والجهاد.. الخ.

    قال الله تعالى: ( وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) [التوبة : 105].

     وفي الخبر المرفوع: { يصبح على سلامى بن آدم كل يوم صدقة؛ إماطتك الأذى عن الطريق صدقة, وتسليمك على الناس صدقة, وأمرك بالمعروف صدقة, ونهيك عن المنكر صدقة, ومباضعتك أهلك صدقة } قيل: يا رسول الله! أيقضي الرجل شهوته وتكون له صدقة؟! قال: { نعم؛ أرأيت لو جعل تلك الشهوة مما حرم الله عليه, ألم يكن عليه وزرا }؟! قيل بلى! قال: { فإنه إذا جعلها فيما أحل الله له فهي صدقة } .. وذكر أشياء صدقة ثم قال: { يجزئ من ذلك كله: ركعتا الضحى }.

     خُلُقِيَّة: ( تؤدى بالنفس, أي: الباطن ), وهي: إصلاح الأخلاق المذكور في التصوف الإسلامي, الحاصل باتباع الخلفاء والورثة الصوفيين رضي الله تعالى عنهم.

     وذلك من قول الله تعالى: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا )  [الشمس: 7- 10 ], ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللُه وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [ آل عمران:31].

     وفي الأخبار: { مكارم الأخلاق من أعمال الجنة }, { إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق }, { مكارم الأخلاق عشرة, تكون في الرجل ولا تكون في ابنه, وتكون في الابن ولا تكون في أبيه, وتكون في العبد ولا تكون في سيده! يقسمها الله تعالى لمن أراد به السعادة: صدق الحديث, وصدق البأس, وإعطاء السائل, والمكافأة بالصنائع, وحفظ الأمانة, وصلة الرحم, والتذمم للجار, والتذمم للصاحب, واقراء الضيف, ورأسهن الحياء؛ وكل خلق من هذه الأخلاق مكرمة لمن منحها }.

     تذكير: ويُذكر في هذا المقام: نعمة الله تعالى وفضله علينا؛ إذ وسّع لنا طُرقَ العبادة والوقتَ وأنواع المتعة, ولم تستغرق العبادة الفعلية كل وقتنا بل ولا بعضا منه, ولا استغرقت العبادات العلمية والخلقية كل أحوالنا بحيث غيبت سواها, وكان الوقت متسعا للتمتع بالملذات الصحيحة مع إمكان التعبد بها, كما أوجد لنا من اللذات ما يحقق لنا المتعة العاجلة وإن كانت في جنب الآخرة قليلة.

     وذلك يوجب علينا شكره بحفظ تلك النعم, وحفظ نفوسنا على الصحيح منها, فنتقيه فيما خلقه منها وأقصاه ومنعنا منه.( إِنَّ اللَه لذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ ) [ يونس: 60 ]. [الإعلام بحاجة الناس للعبادة على الإسلام].