شبهة أن التوسل والتبرك ونحوهما من الغلو في الدين!

بسملة

     الشبهة زعم قومٌ أن التَّوسل والتَّبرك ونحوهما من الغلو في الدين؟!

     الجواب: يرد على هذه الشُّبهة يكون على جهتين:

     الجهة الأولى: بيان حقيقة التقدير، وذلك من خلال ما يلي:

     قال شمس الزمان العارفُ الإمامُ السَّيِّدُ د. طارق بن محمد السَّعْدي رضيَ اللهُ عنه: ( مِنَ الأُصُوْلِ الَّتي تُصَحِّح البداياتِ وتهدي وتحقِّق الوُصُول؛ حُسْنُ التَّقْدير ؛ اقْرؤوا إِنْ شِئتمْ: ( ذَلك ومن يُعظِّم شَعَائرَ الله فإنَّهَا مِن تقوى القُلُوْب )، ويُقابلُ ذلك: ( وما قدروا اللهَ حَقَّ قَدْرِه )، وإنَّ من سُوْءِ التَّقدير أنْ تُعَظّم الأشْيَاء بما لم تعظَّمْ لأَجْله، وأَقْبَحُ مِنْ ذلكَ أنْ تُعَظَّم بِما لَيْسَ فِيْهَا، والأَقْبَحُ عَلى الإطْلاقِ أنْ تُعَظَّمَ بِمَا يَسْتَحُيلُ عَليْها، والحَدِيثُ عمَّا هو عَظِيمٌ في نفسِه إمَّا بالوجُودِ أو الجُوْدِ ).

     الشرح:

     بحَسبِ علْمِي – والله أَعْلمُ بِمَدلُولاتِ ومكْنُونات العِلْمِ المُبِيْن، وهو الله ربُّ العالمين، وبه أَسْتَعِينُ – أقول:

     أولاً: أهميةُ هذا الأصلِ ( الذي يُبْنى عليه غيرُه ) وموضُوعُهُ ( الَّذي يتكلَّمُ فيه ):

     تَظْهَر من خلال أنَّه أصلٌ كُلِّيٌّ ( تدخل فيه كلُّ المسائلِ الدِّينيَّة – الإيمانيَّة والإسلاميَّة والإحسانيَّة – والدُّنيويَّة، وذلك من ألِفها إلى يائِها )؛ فهو شَامِلٌ، وعليه فكلُّ عملٍ يحتاجُ هذا الأصل ( من الأوّل – ابتداءً – وحتى الوصول – انتهاءً – ) ؛ وممَّا قاله مولانا هنا – بدايةً ونهايةً – ممَّا يبيِّن ذلك: ( يصحِّحُ البداياتِ ويهدِيْ ويحقِّقُ الوصول) وأيضًا: (بالوجُودِ أو الجُوْدِ).

     ثانياً: خصائصُ وفوائدُ حُسْن التَّقْدير: ( التَّصحيحُ، والهِدايَةُ، والتَّحقيقُ), وهذا بيِّنٌ في أوَّل كلامِ مولانا، وسيأتي التَّفصيل.

     ثالثاً: النَّاس بينَ مَنْ يُحْسِنُ التَّقديرَ للأشياء ومن يُسِيء ذلك؛ فكان كلامُ شيْخِنَا عن الحَسَن ثمَّ السَّيء.

     وبذلك يُعْلم بِما يحصلُ حُسْن التَّقدير: ( بالوسطيَّة، ومطالبها: العلميَّة والخُلقيَّة والفعليَّة ومنها التَّعظيم بالآداب الكريمة ).

     وبما يحصل سُوء التَّقدير: ( بالغلوِّ إفراطاً، أو التَّقْصير تفريطاً، فَهُما غيرُ شَرْعيَّين ).

     رابعاً: الشَّرحُ:

     مِنَ الأُصُوْلِ ( الجامعَةِ الكُبْرىْ ) الَّتي تُصَحِّح ( فهو مصحِّحٌ؛ أي: سببٍ للصحَّة، فصِحَّةُ البداية – مثلاً – تحتاج تقديرًا حَسَنًا، فإذا أخطأ ذلك ضَاعَ وضيَّعَ من الأوَّل ولم يَقُمْ الأصْل، فضلاً عن الزِّيادة، فضلاً عن الوصول للمأمول ) البداياتِ ( في كل بدايةٍ؛ فـ “أل” استغراقيَّة ) وتهدي ( وهذه الخَصِيْصَةُ الثَّانية؛ فهو سببٌ من أسبابِ الهدايةِ الإلهيَّة ) وتحقِّق ( وهذه الخَصِيْصَةُ الثَّالثة؛ فهو سببٌ للتَّحقِيق والتَّحَقُق وهو: ) الوُصُول ( للمأمول عموماً والكمال خصوصاً )؛ حُسْنُ التَّقْدير( بحفظ الحقِّ واحترامه وإنزاله منزلته.. بمعرفة حدوده  فيضَعُهُ فِيْ مكَانِه الصَّحيح والمناسِب – شَرْعاً وكَوْناً – وعليه؛ فإنْ كان بِرَفْع الشَّيء كان تقديراً وتَعظيماً! وإنْ كان المناسب بخفضِهِ كان تقديرًا مناسبًا ) ؛ ثمَّ دلَّل على مشروعيَّةِ حُسْنِ التَّقدير بقوله: اقْرؤُوا إِنْ شِئتم: ( ذَلك ومن يعظِّم شَعائرَ الله فإنَّها من تَقْوَى القُلُوب ) ( وهذه الآية تدلُّ على مشروعِيَّتِه عمومًا، وخصوصًا في جانب حُسن التَّقْدِير، ومن جهةٍ خاصَّةٍ أيضاً على مشروعيَّة تعظيمِ الوسِيْلَة الشَّرعيَّة؛ بشرط أنْ تكون كذلك شرعاً بمُحْكَماتِهِ أو كونًا بصَحِيْحِه!

     فائدةٌ: هذه الآيةُ دليلٌ قطعيٌ على مشروعيَّةِ التَّعظيمِ لشَعَائِر اللهِ الدِّينيَّةِ بحقِّها! ومَن خصَّصَها بشَعِيْرَة – كالبُدْن التي جَعَلَها اللهُ من شعائِرِ الحجِّ هَدْياً – يُجاب من جهتين:

     الأولى: أنَّ الأصُوليين يقولون: العبرةُ بعمومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبب؛ كما هو كذلكَ هُنا؛ حيث أَطلقَ كلمةَ شعائر الله!

     والثَّانية: لو سُلِّم بالتَّخصيص – جَدَلاً – فإنَّه بقياس الأولى! يدلُّ لما هو أولى منه في شرع الله – فإذا قالوا: هي للبُدْن فحسْب! قلنا: إذا كان هذا لبهيمةٍ أُشْعِرت هَدْياً! فكيف بما هو أكرم منها كالإنسان؟! فكيف إنْ كان مؤمناً؟! فكيف إنْ كان من السَّابقين – ؛ للرِّسالة أو النبوَّة أو الولاية أو العالِميَّة ..- وعليه فإنه دليلٌ قطْعيٌّ على تعظيم الشعائر الكريمة بِحَدَّيه! ).

     ثمَّ ذكر الدَّليل الثَّاني بقوله: ويقابلُ ( في الجهةِ الثَّانية: وهي سوء التَّقدِيْر )، ذلك: ( وما قَدَرُوا اللهَ حقَّ قَدْره )، فأساؤوا في حقِّ الله.

     فائدة: كلٌّ من الآيتين الكريمتين دليلٌ على التَّقْدير عموماً بدلالة الذَّاتِ أو الأثَر .. فمن لم يقدِّر الله في حقِّه “الذَّاتي” أو في حقِّه في خلْقِه بشرعه فقد أساءَ ولو باللَّازم! وفي كلٍّ من النصَّين دليلٌ على التَّقدير الحَسَن والسَّيء؛ لدلالة “الموافقة والمخالفة” ).

     ولكون حُسن التَّقدير لا يكونُ معَ “مضَادَّاتِه ومُنَاقِضاتِه”؛ جاءَ الكلامُ عن سوءِ التَّقدير، فالسُّوء هو الشِّقّ الثَّاني للتَّقدير ( فالتَّقدير له شِقَّان: مُنَوّر ومظْلِم ؛ بِحسبِ ما تعلَّق به  وما ترتَّبَ عليه  ).

     وعليه: فلا يتحقَّق حُسن التَّقدير إلا بتجنُّب السُّوء، وإنْ أراد إحسانَ التَّقدير تجنَّب السُّوء كلَّه وما قرَّب منه، وقد ذكر سوء التقدير من خلال دركاتٍ ثلاث، من القبيح إلى الأقبح؛ كما هو بَيِّن منَ السِّياق اللفْظيِّ والمَعْنَويِّ.

     الدَّرَكة الأولى: بقوله: وإنَّ من سُوْءِ التَّقدير أنْ تُعَظّم الأشياء ( عموماً، والشَّيء هو: الثَّابت، وما ليس بشيءٍ هو: العدم، فلا قدْرَ لهُ مطلقًا بمِيْزَانِ العلمِ، والشَّيءُ – الثَّابتُ الموجودُ – على قِسْمَين:

     الأوَّل: موجودٌ ليس بمُدْرَكٍ ( وهو الله ) ، وتقديْرُهُ وتعظِيْمُهُ بِصِفَتِه الثَّابِتَة الكَامِلَة المُنَزَّهَة عن الصِّفة الكونيَّة! ولا شريك له!

     والثَّاني: موجودٌ مُدْرَكٌ ( وهو العَالَم ) وهذا على قِسْمَيْن من حيث ثبوتُ التَّعظيم, وعدمُه:

     الأوَّل: لم يَثْبُت له قدْر فلا يُعظَّم.

     والثَّاني: ثبتَ له قدرٌ, فبحسب ما ثبت له من خصائص وحقوق, – فهو درجاتٌ كثيرة – وِفْق حدوده العِلْميَّة.

     فتَعظيمُ ما ثبت كوسيلةٍ عقديَّةٍ أوجبُ ممَّا ثبت فقهًا وهكذا.

     وإلا كانت – الزِّيادة – غلوًّا وإفراطًا.

     فائدة: متعَلَّق التَّقدير علميّ، ومتعلَّق التَّعظيم عمليّ “كالآداب”.

     فائدة: المقدَّراتُ والمعظَّمَاتُ المخلوقَة: ( منها المخلوقات السَّماويّة كالملائكة – وهي درجات: فسيِّدنا جبريل عليه السَّلام ليس كغيره – والأرضيَّة: منها الإنسانية – وهي درجاتٌ: العَامَّةُ فيها الخَصَائِصُ الإنسانية، وفوقَها الإِسلاميَّة، وفوقها الإِيمانيَّة، وفوقها العاِلميَّة الدِّينيَّة، وفوقها الخِلافَة الرَّاشِدة، وفوقها النُّبوَّة، وفوقها الرِّسالة -، ومن المقدَّرات: النِّعم الزَّمانيَّة – فاللَّيل ليس كالنَّهار، والثُّلث الأخير من اللَّيل ليس كغيره، ورمضان ليس كغيره، وليلة القدر ليست كغيرها من ليالي رمضان فضلاً عن غيرها وهكذا – ومنها المكانيَّة- فالمقدَّسات المكانيَّة ليست كسائر الأمْكِنَة – ومنها الفعليَّة – العباديَّة؛ كالصَّلاةِ، والعاديَّةِ كالأكل، ومنها في الملبوساتِ والمركوباتِ وهكذا، ولكلِّ شيء قدْرٌ؛ كما قال الله: (قد جعل اللهُ لكلِّ شيءٍ قدْراً ) وقال: ( ولقد فضَّلنا بعض النَّبيين على بعض ) وقال: ( وما منَّا إلَّا له مقامٌ معلوم ).

     والضَّابط العام لتعظيمِ المخلوقات: أنْ لا تتجاوز حدَّ الكائنات إلى خصائصِ وحقوقِ ربِّ البريات، ولا تنزل إلى العدميَّات! فلا بدَّ من حفظِ حدودِ المقامات، والمخلوقات على طبقات، والطَّبقات فيها درجات، فلا بدَّ من حفظ المعتبرِ في الشَّرعيات والكونيَّات ) ثمَّ قال: بما لم تعظَّم لأجله ( فإنْ كان التَّقدير النَّاقص- كمن يقدِّر النبيَّ لبعض خصائصه فحَسْب – يترتب عليه النُّقصان والحِرْمان! فكيف بمن يقدِّره بصفةٍ تأتي في الدَّرجات المتأخِّرة والثَّانويَّة والتَّابعة – كمن يعظِّم النبيَّ بالتَّطبيب “الرُّقْيَة” مثلاً – تاركاً صفاتِه الكبرىْ الجامعة: الذَّاتيَّة والآثاريَّة،  فيذهب للفرعيَّة والتَّبعيَّة بدل الأصليَّة والجوهرية, والصفات الأصليَّة: هي الَّتي عُلِمَت مِنْ نحو قول الله تعالى: ( يتلوا عليهم آياته ويزكِّيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة )).

     الدَّركة الثَّانية: وذلك بقوله: وأقبحُ من ذلك أنْ تُعَظّم بما ليس فيْها ( ممَّا يجوز عليها أصلاً ولكنَّه ليس من خصائصها عند التَّحقّق العلْميّ, كمن يمدح الجاهلَ بالعلم! )

     الدَّركة الثَّالثة” السُّفْلَى”: بقوله: والأقبح ( فهو الأسوأ من الدَّرجات الثَّلاث؛ حيث زاد على الدَّرجتين – زيادةً كبيرة – فأسقطَ الحكمَ بالكليَّة، فكان أقبحَها بميزان العلم المُبين ) على الإطلاق أنْ تُعَظّم بما يستحيلُ عليها ( عقلاً: كالقول بعجز الإله أو جسمانيَّته أو تحيُّزه، وشرعاً: كالقول بتفضيل غير سيِّدنا محمدٍ – صلّى الله عليه وآله وسلَّم – عليه).

     فالأولى: صحيحةٌ ولكنها ليست السَّببَ الأصْلِيَّ للتَّعظيم.

     والثَّانية: غيرُ صَحيحَةٍ ولكنَّها ليسَتْ مُسْتَحِيْلَة.

     والثَّالثة: فاسدةٌ؛ بل ومُسْتَحِيْلَة.

     ثمَّ قال: والحَديثُ عمَّا هو عَظيمٌ في نفسِه إمَّا بالوجودِ (  بصفته الذَّاتيَّة، فعظَمته موجودةٌ مع وجود الذَّات، وذلك كما يلي:

     ١-للذات: وليس ذلك إلا للهُ وحدُه، فهو الذي له الكمالُ المُطلَق, وأوصافه ذاتيَّة, لم تنشأ ولم تُحدث, ولم تستمدّ ذلك من شيء، ومن ذلك فتقديره؛ لوجوده وعظمته؛ لذاته، فَقَدْرُ الله ذاتيٌّ، وتقدير العباد له؛ لهذه الصِّفة الذَّاتيَّة مع ما يكرم به؛ فهو الذي كوَّن الكائنات بإنشائها وتطويرها, فجعل لها أقدارها, وعظَّم منها ما شاء كيفما شاء ( قد جعل اللهُ لكلِّ شيءٍ قدراً )، ومن وصف الله – ولو بدعوى التَّعظيم! – بغير ذلك – من النَّقائص الذَّاتيَّة أو النسبيَّة – فقد أساء التَّقدير من خلال أسوء أنواعِ الإساءة؛ حيثُ وصَفَه بما يَسْتَحِيْلُ عَلَيْه.

     ٢-بالذَّات: مما كان في أنفس الخلق فطريَّاً وذاتيَّاً ) أو الجُودِ ( مما جاد الله على المخلوقات من أعراض وأقدارٍ كسبيَّةٍ – كاملةٍ أو ناقصَةٍ )، وما كان للخلق عموماً  بنعمةٍ شرعيَّةٍ أو كونيَّةٍ ذاتيَّة أو كسبيَّة يندرج في قول الله: ( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) ).

     فائدة: بهذا يعرف الفرق بين التقدير “معرفة مقادير الأشياء ومنازلها” والتعظيم ” بإحسان المعاملة “فهو الآداب المباركة وما في حكمها” فهو من الإحسان؛ ولذا قال مولانا:”التَّقْدِيرُ من الإِيمانِ، والتَّعْظِيمُ مِنَ الإحْسانِ”.

     تأمُّل!

     في آية:”ذلك ومن يعظم شعائر الله..”حديث عن الوسائل، فكان المناسب معها التعظيم، بينما آية:”وما قدروا الله حقّ قدره” حديث عن الغاية “الله” فكان المناسبُ هو التَّقدير!

     فمطلوب الآية الأولى “التعظيم”: عمليٌّ من الإحسان، ومطلوب “التقدير”: الآية الثانية علميٌّ من الإيمان! وعليه فالتعظيم من حقوق تقدير خالق الأكوان.

     وفي الختام: بهذا “السُّلْطانِ البَيِّن” من مولانا “شَمْسِ الزَّمان” يعلم أهميَّة تقدير الأشياء، وبم يتحقَّقُ تقديرها تقديرًا حسنًا، وهذا حقٌ لله القَدِيْر! ومن تقديره تقدير دينه ووسائله وشعائره، وتقدير من قدَّره وأحبَّه، وتعظيمُها حقٌّ لله العظيم! وذلك بتعظيمُ دينِهِ ووسائلِهِ وشعائِرِه، وتعظيمُ من عظَّمه وأحبَّه.

     فلا حُسْنَ ولا إحسانَ إلا بحُكْم الحَنَّانِ المنَّانِ!

     فليسَ دونَ ذلكَ إلَّا حُكْمُ النَّفسِ والشَّيطان! فَيَحْصلُ الطُّغْيان في الميْزَان. [ شرح الكلمات النورانية ]

تابع هنا الجهة الثانية في الرد