مسائل الإيمان إجمالاً

 

Bismillah (1)

     قال مولانا شمس الزمان الشيخ الدكتور طارق بن محمد السعدي أديم علينا فضله والأمة في شرح متن الطحاوية:

     ( ( نَقُوْلُ فِي ) ذِكْرِ وَبَيَانِ ( تَوْحِيْدِ اللهِ ) جلَّ جَلاله فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ( مُعْتَقِدِيْنَ بِتَوْفيْقِ اللهِ ) جلَّ جَلاله لَنَا:

     ( إِنَّ اللهَ ) رَبَّ العَالَمِيْنَ: ( وَاحِدٌ ) عَلَى التَّحْقِيْقِ، لا مِنْ حَيْثِ العَدَدِ وَالتَّقْدِيْرِ؛ لأَنَّهُ ( لا شَرِيْكَ لَهُ ) فِي مُلْكِهِ ( وَلا شَيْءَ ) فِيْ الوُجُوْدِ ( مِثْلُهُ ) فَكُلُّ مَعْنَىً تَبْلُغُهُ الأَوْهَامُ أوْ تُحِيْطُ بِهِ الأَفْهَامُ هُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ ( وَلا شَيْءَ ) مِنَ المُمْكِنَاتِ ( يُعْجِزُهُ ) إِدْرَاكاً وَتَأثِيْراً ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) ( وَلا إِلَهَ ) مُؤَثِّرَ لِذَاتِهِ فِي الوُجُوْدِ ( غَيْرُهُ ) عزَّ وجلَّ؛ إِذْ ( لَوْ كَانَ فِيْهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا )، لأنَّهُ لا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَكُوْنَ كُلُّ وَاحِدٍ مُؤَثِّراً فِي الشَّيْءِ، أَوْ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ، أوْ مُؤَثِّراً دُوْنَ غَيْرِهِ:

     فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مُؤَثِّراً، لا يَخْلُو: إِمَّا أَنَّهُ أثَّرَ عَلَى طَرِيْقِ التَّعَاوُنِ، أَوْ أثَّرَ عَلَى الانْفِرَادِ وَالاسْتِبْدَادِ: فَإِنْ أثَّرَ عَلَى سَبِيْلِ التَّعَاوُنِ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ عَاجِزاً؛ لِزَوَالِ تَأثِيْرِهِ عَمَّا هُوَ مُمْكِنٌ فِيْ نَفْسِهِ. وَإنْ أثَّرَ عَلَى الانْفِرَادِ وَالاسْتِبْدَادِ فِيْمَا يُؤَثِّرُ فِيْهِ الآخَرُ كَانَ الآخَرُ مُسْتَغْنَىً عَنْهُ، وَمَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ لا يَكُوْنُ إِلَهاً.

     وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ مُؤَثِّراً: كَانَ عَاجِزاً؛ لِزَوَالِ تَأثِيْرِهِ عَمَّا هُوَ مُمْكِنٌ فِيْ نَفْسِهِ، وَالعَاجِزُ لا يَكُوْنُ إِلَهاً.

     وَإِنْ كَانَ مُؤَثِّراً دُوْنَ غَيْرِهِ: لا يَكُوْنُ غَيْرُهُ إِلَهاً.

     فَـ ( قُلْ ) أيُّهَا المُوَحِّدُ: ( هُوَ ) الذِي فُطِرْتُ عَلَى أُلُوْهِيَّتِهِ إِنَّمَا هُوَ ( اللهُ ) جَلَّ جَلالُهُ، وَلَيْسَ هُوَ شَيْءٌ مِمَّا يَبْلُغُهُ وَهْمِي أَوْ يُحِيْطُ بِهِ فَهْمِي؛ لأنَّ الوَهْمَ وَالفَهْمَ مُتَعَلِّقَانِ بِالمَخْلُوْقَاتِ، فَلا بُدَّ أَنَّ اللهَ سبحانه وتعالى ( أَحَدٌ ) لا مِثْلَ لَهُ، وَدَلِيْلُ فِطْرَتِي: أَنَّهُ ( اللهُ الصَّمَدُ ) الذِي أَقْصِدُهُ فِيْ أَعْمَاقِي لِشُؤُوْنِي عِنْدَ انْقِطَاعِ الحِيْلَةِ وَالوَسِيْلَةِ مُجَرَّدَاً مِنْ عَلائِقِ الوَهْمِ وَالفَهْمِ، وَهُوَ عزَّ وجلَّ ( لَمْ يَلِدْ ) فَلا يَمُوْتُ ( وَلَمْ يُوْلَدْ ) فَلا يُحْيَى؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ سِوَاهُ، وَيَبْقَى وَلا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الخَلْقِ إِلا مَا بِفَضْلِهِ أَبْقَـاهُ ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) فَيُشَابِهَهُ أَوْ يُشَارِكَهُ؛ ) اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، لاَ تَأْخُـذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ، لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ )، ثُمَّ حَدِّثِ النَّاسَ بِهَذِهِ النِعْمَةِ قَائِلاً ( ذَلِكُمُ ) الذِي فُطِرْتُم عَلَى أُلُوْهِيَّتِهِ: إِنَّمَـا هُوَ ( اللهُ رَبُّكُمْ) أَجْمَعِيْنَ ( لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ ) تَبْلُغُهُ أَوْهَامُكُم أَوْ تُحِيْطُ بِـهِ أَفْهَامُكُم ( فَاعْبُدُوْهُ ) وَحْدَهُ ( وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ )، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ ) بِوَهْمٍ أَوْ فَهْمٍ ( وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) فَلا تُشَبِّهُوْه سبحانه وتعالى بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ؛ فَإِنَّهُ ( قَدْ جَاءَكُم بَصَآئِرُ ) فِيْ الكَوْنِ وَالرَّسَائِلِ ( مِنْ رَّبِّكُمْ ) تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ( فَمَنْ أَبْصَرَ ) وَوَحَّدَ ( فَلِنَفْسِهِ ) ضَمِنَ الرُّشْدَ وَالوَعْدَ بِالسَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْهُ وَعَنْ عِبَادَتِهِ ( وَمَنْ عَمِيَ ) وَأَلْحَدَ ( فَعَلَيْهَا ) عَادَ بِالضَّلالِ وَاسْتِحْقَاقِ الشَّقَاوَةِ الأَبَدِيَّةِ ( وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيْظٍ ) بَل بَشِيْرٌ وَنَذِيْرٌ.

     ( وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ).

     وَمَنْ عَلِمَ هَذِهِ الجُمْلةَ، فَقَد عَلِمَ الكِفَايَةَ مِنْ تَكْلِيْفِ اللهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلهَ إِلا اللهُ ) ). [شرح العقيدة الطحاوية لمولانا شمس الزمان]

     وقال مولانا أديم علينا فضله والأمة:

     ( .. فينبغي أن تعلم: موضوع الكلمة الطيبة

      أن الكلمة الطيبة ( لا إله إلا الله ) تشتمل على بيان الركن الأول من أصل الإيمان , وهو : ( الإيمان بالله تعالى )؛ وذلك:

” الإله”

     أن ” الإله” : هو المؤثر في كل ما سواه , المستحق للعبادة ( وهي : طاعة الإله فيما شرعه للعباد ).

     فلو نظرنا إلى الإنسان الذي هو أعظم الكائنات وأشرفها بما تميَّز به من عقل واختيار لرأينا أنه لا يخلق نفسه ولا يملك لها حياةً  ولا موتاً , وكذا الجن والملائكة وإن قُدِّروا على بعض الخوارق لعادات الإنسان فإنهم مثله , وكذا الطبيعة من أرض وسماء وشجر وحجر ودواب , بل لرأينا أنهم جميعاً بتكوينهم وأفعالهم دليلٌ على وجود من خلقهم وليس منهم ولا مثلهم : هو الله تعالى ؛ مُمْكِنون : موجودون بعد عدم فيقبلون الزوال , وكل ما كان كذلك فهو مخلوق , ولأنهم آية على ثبوت الإله , فلو كان بينهما مماثلة لما دلوا عليه , بل كان مخلوقاً مثلهم  والعياذ بالله تعالى ؛ لأن الإلهية لا تصح لمن يفتقر إلى من يوجده . وقد قال الله تعالى : ( أم خُلِقوا من غير شيءٍ أم هم الخالقون ) [الطور: 35] , وقال : ( هو الظاهر والباطن ) [الحديد:3 ] أي: ظاهرٌ في كل شيءٍ بآثار صفاته , باطن بحقيقة ذاته فلا يمكن إدراكه وتصويره في النفس .

     وذلك قول الله تعالى: ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه )  [الأنعام : 102].

     وإذ دلّ ذلك المثال على ثبوت من خلق العالم_ ( وهو كل موجود سوى الله تعالى ) _ فلا بد أن لا يكون الخالق مخلوقاً , وإلا قيل : فمن خلقه_ والعياذ بالله تعالى_ ؟!!

     وذلك قول الله تعالى : ( هل من خالق غير الله )  [ فاطر: 3] .

..

الواحد

     ( واحداً ) : فليس يتركب من أجزاء , وليس له شريك أو ند , وليس لغيره تأثير في العالم , وإلا احتاج لمركب وبطلت ألوهيته وما انتظم شيء في العالم .

     وذلك قول الله تعالى: ( وإلهكم إله واحد ) [البقرة : 163] ( قل هو الله أحد ) [الإخلاص : 1] ( لوكان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) [ الأنبياء : 22] ( ما اتخذ الله من ولدٍ وما كان معه من إلهٍ إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض ) [المؤمنون : 91].

     فإن علمت هذا , فقد علمت معنى الكلمة الطيبة ( لا إله إلا الله ) , وهو توحيد الله تعالى . [كتاب الإيمان لمولانا شمس الزمان]