الجهة الثانية في رد شبهة أن التعظيم لشعائر الله من الغلو في الدين!

بسملة

 – انظر الجهة الأولى في الرد

     الجهة الثانية: بيان حقيقة التعظيم والفرق بين التعظيم والغلو، وذلك من خلال ما يلي:

     قالَ شمس الزمان العارفُ الإمامُ طارقُ بن محمَّدٍ السَّعْديّ رضيَ اللهُ عنهُ:” الغُلُوُّ في الدِّيْنِ: هو المُبَالَغَةُ المُنْكَرَة بِأَحْكَامِهِ المُقَرَّرَة.

     التَّعْظِيْمُ في الدِّيْنِ: هو المُبَالَغَةُ المَعْرُوْفَة بِأَحْكَامِهِ المُقَرَّرَة.

     التَّعظيم والغلوُّ في دين الإسلام: يجتمعان على فعلِ المبالغةِ بالأحكام، ويفترقان على نوعها: فالتَّعظيم بالمعروف بينما الغلوُّ بالحرام.

     أَسْبَابُ الغُلُوِّ: الْجَهْلُ بِحُدُودِ الحق، واتّباعِ أهواءِ النّفسِ والْخلْق أي : اتِّباع الآراء والأهْوَاء.

     أَسْبَابُ التَّعْظِيم: المَحَبَّةُ، وَالتَّقْدِيْرُ”.

 الشرح:

     بحَسَبِ عِلْمي – واللهُ أَعْلمُ بمراداتِ ومكْنُوناتِ علومِ عبادهِ الصَّالحين، وهوَ اللهُ ربُّ العالمينَ، وبهِ أستعينُ – أقولُ      أوَّلاً : الفرْقُ يَظْهَرُ واضِحَاً جلِيَّاً مِن خِلالِ هذا البيانِ؛ حيثُ اشْتَملَ على المقصودِ وزادَ؛ وذلكَ مِن خِلالِ أمرينِ كُلِّيينِ:

     الأوَّلُ منهما: التَّعريفُ بالحدِّ الجامعِ المانعِ, والواسعِ البديعِ؛ ( حيثُ تُمِّمَ – التَّعريف – بِتوضيحٍ مفصَّل للجامعِ بينهما – والَّذي يفتتنُ بهِ البعضُ جهلاً أو زيغاً فيَضِلُّ ويُضِلُّ، مستغلاً الاشتباهَ؛ لوجودِ توافقٍ مِن حيث المبالغةُ الموجودةُ في كلٍّ مِنَ التَّعظيمِ والغلوِّ الحاصلِ عندهُ، للإساءةِ إلى ما ثبتَ حُكْمُه شرعاً: [ وهو التَّعظيمُ الإسلاميّ والَّذي ذُكرَ تفصيلاً في الشَّرحِ السَّابقِ ] )، ثمَّ ذَكَرَ المفرِّقَ بينهما – الَّذي يحصلُ بهِ الإحكامُ والفصلُ بينَ ما هوَ عظيمٌ وما هو حرامٌ – فهذا هو البيانُ الأوَّل.

     الأمرُ الثَّاني: مِن خِلالِ أسبابِ كلٍّ منهما، فكما اختلفا في التَّعريفِ “ذاتِ التَّوصيف”؛ اختلفا في منشأ كلٍّ منهما، وبذلكَ صارَ بيِّناً أنَّ التَّعظيمَ مشروع رفيعٌ وأنَّ الغلوَّ ممنوع ووضيعٌ.

     ثانياً: وردت الأدلَّةُ النَّقليَّةُ والعقليَّةُ المتواترةُ والقطعيَّةُ على مدحِ التَّعظيمِ وذمِّ الغُلوِّ الأثيمِ، فلا يمكنُ إلَّا قبولَ الحُكْمينِ ( مدحُ التَّعظيمِ، وذمُّ الغلوِّ )، وإلَّا ضرَبْنا كتابَ اللهِ بعضَهُ ببعضٍ! بترجيحِ أحدهما رغم ثبوت الحُكْمين؛ فيقعُ المنكرُ بإسقاط أحد الأمرين، وهو عينُ المحذورِ والمحظور.

     ثالثاً: الشَّرْحُ:

     الغُلُوُّ في الدِّيْنِ ( وهذا قيدٌ مهمٌّ، والدِّينُ المرادُ هنا هو دينُ الإسلامِ الخاتمِ، والَّذي يتَّفقُ في أصولهِ مع كلِّ دينٍ حقٍّ جاءَ قبلَهُ للأنامِ ) : هوَ المُبَالَغَةُ ( لغةً؛ بزيادةٍ كبيرة أو صغيرة، وهذا القيدُ الأوَّلُ للتَّعريفِ ) المُنْكَرَةُ ( وهذا القيدُ الثَّاني، والتي تعرفُ نكارتها بالعلمِ الثَّابتِ، والمنكر ضدُّ المعروف، فهو إذًا سيءٌ وقبيحٌ .. ) بِأَحْكَامِهِ ( الشَّرعيَّةِ ) المُقَرَّرَة ( وهذا القيدُ الثَّالثُ: وقد قُرِّر ثبوتاً وبياناً – بالمحكمِ مِن الخطابِ والرَّاسخينَ في العلمِ مِن المتخصِّصينَ المعنيِّين، كأئمةِ المذاهبِ السُّنِّيَّةِ الأربعةِ في المسائل الفقهيَّة ).

     التَّعْظِيْمُ في الدِّيْنِ: هو المُبَالَغَةُ ( هذا القيدُ الأوَّلُ كسابقهِ ) المَعْرُوْفَةُ ( وهذا القيدُ الثَّاني، وهي معروفةٌ بحكمِ العلمِ الثَّابتِ! والمعروفةُ أصلُها من المعروفِ حُسْناً وجمالاً وشُهرةً، وذلك عند أهلِ السُّنَّةِ، والقيدُ الثَّاني هو المفرِّقُ بين الغلوِّ والتَّعظيمِ كما سيأتي ) بِأَحْكَامِهِ المُقَرَّرَة ( وهذا القيدُ الثَّالثُ كسابقهِ ).

     التَّعظيمُ والغلوُّ في دينِ الإسلامِ: يجتمعانِ على فعلِ ( الآداب باعتقادٍ قامت عليه ومعلومٍ انْطَلقتْ منه ) المبالغةِ بالأحكامِ ( كما سبقَ )، ويفترقانِ على نوعِها ( بعدَ الاتِّفاقِ في جنسِها “عمومُ فعلِ المبالغة” ) : فالتَّعظيمُ بالمعروفِ ( الَّذي عُرِفَ بحُكْمهِ فصارَ معروفاً بصلاحِهِ  )، بينما الغلوُّ بالحرامِ ( شرعاً ).

     فائدة: يتطفَّل البعضُ لجهلٍ أو ضلالٍ فيقبل أو يدبر على الشّيء مجرَّداً عن الدَّليل؛ لمجرَّدِ نفور أو انجذاب النَّفس، والحقُّ أنَّ الحكم لله القدُّوس فما جعله معروفاً وَجَبَ رؤيته بالمعروف تعظيماً،  والضِّد بالضِّد.

     أَسْبَابُ ( والسَّبب لغةً: العلامةُ والموصِلُ والبابُ، والمرادُ اصطلاحاً – وهو المرادُ هنا -:ما يلزمُ من وجودهِ الوجودُ, ومِن عدمهِ العدمُ لذاتهِ، كما عرَّفهُ شيخُنا في كتابهِ “المدخل” وغيره ).

     الغُلُوُّ يعودُ إلى سببين:

     السَّببُ الأوَّلُ للغلوِّ: الْجَهْلُ ( بمراتبهِ ) بِحُدُودِ الحقِّ ( الَّتي تفصِلُ بينَ شيءٍ وشيءٍ؛ فيُضبط الأمرُ ويُعطى كلُّ شيءٍ حقَّهُ، وِفْق الأحكامِ الَّتي أَنْزلها اللهُ وأقامَها، تعالى اللهُ، وتعالى حُكْمُهُ ).

     السَّببُ الثَّاني للغلوِّ: بقوله: واتّباعِ أهواءِ النَّفسِ ( النَّاقصةِ، وذلكَ مِن ذاتِ المكلَّفِ ) والْخَلْقِ ( مِن خارجِ المرءِ مِن شياطينِ الإنسِ والجنِّ، مستعملاً كلَّ وسيلة ) ثمَّ بيَّنَ السَّبَبين ببيانٍ آخر مُختصَرًا فقال: أي: اتِّباع ( عموماً ) الآراء ( العلميَّة المُتَشَابِهَة والفَاسِدَة ) والأهْوَاء ( النَّفْسِّيَّة )؛ فهي مصادرُ الغلوِّ خصوصًا والسُّوءِ عمومًا.

     مثالُ الغلوّ الشَّيطانيِّ:

     ما فعلَهُ النَّصارى مع اعتقاد فاسد؛ حيثُ قالوا – مثلاً – “المسيحُ ابنُ الله”؛ تعالى الله! وهذا غلوٌّ؛ لكونهم أثبتوا خصائصَ الإلهيَّةِ لسيِّدنا عيسى؛ وقد كفَّرهم اللهُ فقال: ( لقد كفرَ الَّذين قالوا إنَّ الله هو المسيح ) ، وقال الرسول المصطفى:” لَا تُطْرُونِي كَمَا – وهذا تقييدٌ للإطراءِ المذمومِ، فليسَ عمومُ المدحِ حراماً- أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ” [ رواه البخاري ومسلم ].

     تنبيه!

     الَّذي ثبتَ يقيناً عن النَّصارى وأشباههم: التَّأليهُ للمخلوقِ؛ ولذا قالَ الرَّسولُ الكريمُ: ” إنَّما أنا عبدُ اللهِ ورسولهٍ “، وكونُ ما اعتقدهُ النَّصارى هو تأليهٌ لغيرِ اللهِ؛ هوَ المتواترُ والقطعيُّ في شرعِنَا مِن جهةٍ، وكذلكَ جاءَ في المتواترِ والقطعيِّ الأمرُ بالتَّعظيمِ؛ ولِذا قالَ اللهُ عن حبيبهِ وصفيِّهِ الأكرمِ رسولنا الأعظم, بعد ما طالبهُ المشركونَ, بما هو مِن خصائصِ اللهِ تعالى: ( قل سبحانَ ربي هل كنتُ إلا بشراً – فقد أوتيَ نبيُنا أتمَّ الصِّفاتِ البشريَّةِ: فهو الأشرف نَسَباً، والأكملُ والأجمل خَلْقاً وخُلُقَاً، والأفضل تَصرُّفاً –  رسولاً – فقد أُوتيَ أكملَ الرِّسالاتِ السَّماويَّةِ، وأعظمَ النِّعمِ الدِّينيَّةِ والمعجزاتِ العاجلةِ والآجلةِ، في مقامه الأعظمِ وكذلك المبعوثِ به وله، فأمَّتهُ أكبرُ وأكرمُ الأممِ- )؛ فهذان الوصفان هما مجمع الصِّفات البشريَّة، فلا يخرج في صفة من صفاته عنهما البتَّة.

     فبانَ: أنَّ الغلوَّ خروجٌ بالمبالغةِ عن الحدِّ الشَّرعيِّ، بينما التَّعظيمَ مبالغةٌ شرعيَّة في تحقيقِ أمرِ اللهِ.

     أَسْبَابُ التَّعْظِيم:

     السَّببُ الأوَّلُ للتَّعظيمِ: بقوله: المَحَبَّةُ ( فمنْ أحبَّ عظَّم محبوبهُ؛ فطرةً وواقعاً وشرعاً، وقد أُمرنا بمحبَّةِ ما أحبَّ الله ومَن أحبَّ الله؛ ولذا قالَ رسولُنا الأعظمُ:” أَحِبُّوا اللهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي لِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا آل بيتي لحبَّي ” [رواه التِّرمذي] ).

     السَّببُ الثَّاني للتَّعظيمِ: بقولهِ: وَالتَّقْدِيْرُ ( للذَّاتِ المقدَّرةِ بالعلمِ، فيحصلُ التَّعظيمُ تأدُّباً؛ وقد وردَ في الشَّرعِ الأمرُ بالتَّقديرِ كثيراً ).

     مثالُ التَّعظيم الشَّرعيِّ:

     تعظيمُ رسولنا الأعظمُ – عليه وآله الصَّلاة والسَّلام- بالمشروعِ؛ لنحوِ ما جاءَ في الحديثِ؛ ” لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ” [ رواه البخاري ].

     وحديث:” كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – فَقَالَ : وَاللهِ لأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلا نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : ” وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ ” . قَالَ عُمَرُ : فَأَنْتَ الآنَ وَاللهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – : ” الآنَ يَا عُمَرُ ” [ رواه البخاري ].

     وحديث:” والذي نفس محمَّد بيده ليأتينَّ على أحدكم يومٌ ولا يَراني، ثم لأنْ يراني أحبُّ إليه من أهله وماله مَعَهُم ” [ رواه البخاري ومسلم ].

     وعلى هذا: فإنَّ تعظيمَ رسولِ اللهِ عبادةٌ كبرى – عقيدةً وفقهاً وسلوكاً – ما دامَ في الحدودِ الشَّرعيَّةِ – ولا يكونُ غلوَّاً إلَّا إذا اعتدى فتجاوزَ إلى خصائصِ الإلهيَّةِ؛ كما هوَ معلومٌ عقيدةً، فليست الخصائصُ ما يتوهَّمه المخرِّصونَ, ويظُنُّه الزَّائغونَ – وعلى ذلكَ فالأمَّةُ مقصِّرةٌ في تعظيمهِ وتقديره وليست مغاليةً! هل بلغ النَّاسُ بتعظيمه مبلغاً فاقَ فيهِ حبُّهُ النَّفسَ والولدَ والوالدَ والمال؟!!

     وعلى ذلك يُعلم ضلال قومٍ يُنكرونَ تعظيمَ رسولِ الله لأداءِ شيءٍ من حقوقهِ – بدعوى الغلوِّ! – رغمَ التَّقصير الشَّديد في تعظيمِه، ومع بُعدِ المعظِّمِ عن الغلوِّ كُليَّاً!!

     وعليهِ؛ فمِن المنكرِ أنْ يُطبِّقَ الجاهلُ والزَّائغُ قواعدَ الغلوِّ على التَّعظيمِ! فيُنكرُ المعروفَ الذي ثبتت مشروعيَّتهُ بالمتواتراتِ والقطعيَّاتِ؛ ويجعلهُ غلوًّا؛ فيَفْسد ويُفْسِد أحكامَ الدِّينِ على الجاهلينَ والغافلين!

     ولذا قال مولانا :” التَّعْظِيْم يُبْنَى عَلَى الإِيْمَان، والغُلُوُّ يُبْنَى عَلَى العُدْوَان “.

     لطيفة: قال مولانا: “يبنى”: وليس ذاتُه هو الإيمان؛ فالتعظيم في المعاملات، وله أصولٌ يقوم عليها منها الإيمانيات.

     وفي الختامِ: باتَ بالسُّلطانِ البيِّنِ والعلمِ الرَّاسِخِ المكينِ – مِن خلالِ كلامِ شمسِ الزَّمانِ, وما شابههُ من كلامِ العلماءِ الصَّالحين, المبنيّ على مُحكمِ الدِّينِ – الفرقُ واضحاً جليَّاً بين القِسْمين؛ فالتَّعظيمُ مِن الحقِّ المبينِ، والغلوُّ مِن الباطلِ المهِيْنِ، فلم يعُد هناكَ مجالٌ للتَّخريصِ والتَّجديفِ والتَّهويلِ والأباطيلِ؛ اعتماداً على المتشابهِ عِلماً والفاسدِ أيضاً؛ ( وقل جاءَ الحقُّ وزهقَ الباطل إنَّ الباطلَ كانَ زهوقاً ).‏‫ [ شرح التغريدات ]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*
*
الموقع الإلكتروني